حكم الوضوء بالماء المشمس وضعف أحاديث كراهته
السؤال
الجواب
قال: «وطاهر مطهر مكروه، وهو الماء المشمس». هو طاهر أيضاً ومطهر، يجوز للإنسان أن يتوضأ منه، وإذا توضأ فقد تطهر وحلت صلاته وحل وضوؤه، لكن مكروه، يقول له: نحن نكره لك أنك تتوضأ بماء مشمس. ما هو الماء المشمس عند الشافعية؟ يشترطون شروطاً حتى يقال هذا ماء مشمس - لأننا ندرس كتاباً شافعياً - الماء المشمس لا بد أولاً أن يكون في الأراضي والبلدان الحارة التي معروفة بالشمس الحارة، ما تكون في الأراضي والبلدان الباردة تكون شمسهم باردة. ثانياً: أن تكون في أوانٍ منطبعة. ما معنى أوانٍ منطبعة؟ يعني ضربت بالحديد كالنحاس، كالحديد نفسه، كالرصاص، يسمى منطبعة، لأنهم لما يشكلونها ويجعلونها أواني إنما يفعلون ماذا بالحديد يضربونها في ذاك الزمن. فإذا جئنا بنحاس ووضعت فيه ماء وجاءت الشمس وتشمس هذا الماء في هذا الإناء وفي شمس حارة، هذا مشمس، هل أتوضأ به؟ يقولون يكره لك، لا تتوضأ، لكن لو توضأت وضوءك صحيح. لماذا كره الشافعي هذا الماء؟ انظر ماذا يقول في «الأم» الشافعي نفسه رحمه الله: «ولا أكره الماء المشمس إلا من جهة الطب»، يعني أنا الماء المشمس لما قلت بكراهته إنما قلت ذلك لأن الطب ثبت عنده أنه يكون ضاراً. ما هو وجه الضرر؟ قد يسبب برصاً، لأن الشمس تؤثر في هذا الإناء والإناء من الأواني المنطبعة، تخرج زهومة تكون كالطبقة على الماء، هذه الزهومة سببها الشمس مع الإناء تسبب برصاً. لهذا جاء في الحديث - وهذه أدلة الشافعية مذكورة في كتبهم - أن عائشة أتت بماء فقالت: يا رسول الله قد توضأت من ماء مشمس - شمست الماء - فقال لها: «يا حميراء لا تفعلي فإنه يورث البرص»، كما عند الدارقطني في السنن وعند البيهقي. وهو حديث ضعيف جداً، حتى قال النووي والعقيلي قبله: لم يصح شيء من الأحاديث المسندة في الماء المشمس. وحديث: «من اغتسل بماء مشمس فأصابه وضح فلا يلومن إلا نفسه» - والوضح هو البرص - وهذا الحديث هو حديث ابن عباس، ابن الملقن رحمه الله في كتابه «البدر المنير» ذكر أنه بحث عن هذا الحديث فما وجده، حتى إنه قال: سألت الحفاظ بمصر وفي دمشق وفي القدس لم يعرفوه، ثم بعد ذلك وجده في «مشيخة قاضي المارستان» ووجد أنه حديث موضوع، لأنه من طريق عمر بن صبح وهو كذاب قد اعترف بالوضع وفيه عللٌ أخرى. ومثله حديث أنس: «لا تغتسلوا بالماء الذي يسخن في الشمس فإنه يعدي من البرص»، وهو كذلك، لأن ابن الجوزي رحمه الله كذلك أورده في كتابه «الموضوعات» وعدّه من الموضوعات، حتى إن ابن الملقن قال: من جميع طرقه باطل لا يصح ولا يحل لأحد الاحتجاج به، وما قصّر ابن الجوزي في نسبته إلى الوضع. في حديث عائشة وأنس من السنة لم يصح شيء. انظروا الشافعي ماذا يحتج أيضاً غير السنة، يقول رحمه الله: أخبرنا إبراهيم بن محمد عن صدقة بن عبد الله عن أبي الزبير عن جابر أن عمر رضي الله عنه كان يكره الاغتسال بالماء المشمس. إذن هذه حجة الشافعي أن الماء المشمس مكروه، وهذا دليله مع حديث عائشة، وجاء حديث أنس وكذلك ضعيف لم يصح شيء. الدارقطني نفسه أخرج الأحاديث فضعفها، البيهقي أخرجها وضعفها، مذهب الدارقطني شافعي وهو محدث إمام في العلل وكان شافعياً. هذا الأثر يا إخوة من طريق إبراهيم - شيخ إبراهيم بن محمد ويقال له ابن أبي يحيى - كانوا يكذبونه، والشافعي رحمه الله كان يرى أنه ثقة فكان يروي عنه فيقول «حدثني الثقة» أحياناً لا يسميه، إذا وجدت في «الأم» «حدثني الثقة» يقصد هذا الرجل إبراهيم بن محمد. إذا رجعت إلى كتب الجرح والتعديل منهم من يكذبه ويقول كذاب، بل بعضهم يجعله من أركان الكذب، وبعضهم يقول متروك. فالأثر ضعيف جداً، لم يصح شيء أبداً فيما يتعلق بالماء المشمس. لكن بقي الخلاف، الشافعي قال هذا، هل هناك من وافق الشافعي؟ أبو حنيفة، الشافعي بما قال به أبو حنيفة. طيب عرفنا الآن الخلاف: أبو حنيفة والشافعي يقولان بالكراهة، الوضوء بالماء المشمس. أحمد ومالك لا يقولون بالكراهة، وهذا هو الصواب. لماذا؟ لأنه في الحقيقة حتى الطب لم يثبت ذلك. النووي نفسه رجح مذهب مالك مع أنه شافعي، ورجح مذهب أحمد، وقال لم يثبت شيء في الطب. ابن قدامة في «المغني» قال لم يثبت شيء في الطب أنه ضار. الذهبي قال لم يثبت شيء في الطب، له كتاب اسمه «الطب النبوي» على خلاف هل هو ثابت عنه أو ليس بثابت، تكلم عن هذه المسألة الماء المشمس ورجح أنه لا يكره، ثم قال حتى في الطب لم يثبت أنه ضار أو أنه فيه شيء. فالصواب خلاف ما قرره المؤلف، لا يكره الوضوء بالماء المشمس، بل لا بأس من ذلك.