خطبة في تفسير: ربكم أعلم بما في نفوسكم وآت ذا القربى حقه
السؤال
الجواب
بسم الله، والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. أما بعد، قال الله سبحانه وتعالى: ﴿رَّبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمْ ۚ إِن تَكُونُوا صَالِحِينَ فَإِنَّهُ كَانَ لِلْأَوَّابِينَ غَفُورًا﴾، يعني أن الله سبحانه وتعالى أعلم بما في نفوس الناس وما تضمر قلوبهم. فمن بدا منه الصلاح وكان صالحاً وعمل ما في نيته فهذا الذي هو نور على نور، لكن مع صلاح القلوب قد يخطئ الإنسان، يريد الخير فيخطئ ولا يقع في الخير بل يقع في الشر، أو يزل بسبب الشيطان وبسبب النفس الأمّارة بالسوء يزل فيقع في المعصية. فإن وقع في المعصية مع أن نيته حسنة ففي هذه الحال قال الله: ﴿فَإِنَّهُ كَانَ لِلْأَوَّابِينَ غَفُورًا﴾ يعني تُب، ارجع إلى الله، لأن هذا معنى الأوّاب، الأوّاب هو الذي يتوب إذا أخطأ، عاد إذا وقع في الزلة ندم ورجع واستغفر ربه. أما كون الله يعلم ما في الأنفس فهذا من خصائص الرب سبحانه، يعلم ما في نفوسنا، يعلم السر وأخفى، ﴿هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنشَأَكُم مِّنَ الْأَرْضِ وَإِذْ أَنتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ﴾، هو الذي خلقنا وأنشأنا وأوجدنا ويميتنا ويحيينا، ألا يعلم ما في نفوسنا؟ يعلم. ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ﴾، وهكذا أيضاً في قوله تعالى: ﴿سَوَاءٌ مِّنكُم مَّنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَن جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ﴾. كنت مختفياً في الليل، كنت مختفياً في النهار، أسررت الشيء في نفسك، أظهرته وجهرت به، كل ذلك يعلمه الله، لا يخفى عليه خافٍ سبحانه. لهذا كانوا يثنون صدورهم — أي المشركون — كانوا يثنون صدورهم ليستخفوا منه، فقال الله عز وجل: ﴿أَلَا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُوا مِنْهُ ۚ أَلَا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ﴾ يعني يظنون أن الثياب التي يلبسونها على الجسد ستخفي ما في نفوسهم، ما تخفي ما في نفوسهم ﴿يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ ۚ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾. إذن لما تعلم أن الله يعلم ما في قلبك، ألا تُحسن هذه النية تجعلها نية طيبة حسنة، تريد الخير لنفسك ولأهلك ولمجتمعك؟ لأن «الأعمال بالنيات»، قد تتمنى الخير وأنت لا تطول هذا الخير ولا تصل إليه لكنك تتمناه وتقول: لو أن عندي المال لتصدقت ولأنفقت ولفعلت الخيرات، لو عندي كذا وكذا لنويت الخير. فإذا فعلت هذا ونويته فالله يعلم نيتك فيكتب لك الشيء العظيم. ولهذا كانوا في الجاهلية كما جاء في الحديث في صحيح مسلم: اجتمع ثلاثة عند البيت، عند الكعبة، فقالوا: هل الله عز وجل يعلم ويسمع أصواتنا؟ فقال أحدهم: إذا جهرنا يسمع، أما إذا أخفينا لا يسمع، لهذا قال: «وقلوبهم قليلة العلم»، أي بمعنى من كان يظن هذا الظن ويظن أن الله لا يعلم ما في نفسه هذا قليل العلم بالله عز وجل. فالله يعلم ما كان وما سيكون وما لم يكن إذا كان كيف سيكون، والدليل أن الكافر إذا مات يقول: ﴿رَبِّ ارْجِعُونِ لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ﴾، ماذا يقول الله في الرد عليه؟ ﴿كَلَّا﴾، يعني هذا يكذب، إذا رجع لن يعمل صالحاً، سيرجع لما كان عليه من المعاصي، ﴿لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾. إذن علم الله الشيء الذي لو كان كيف سيكون. الله لن يرجعهم، الله قد أخبر أن الذي يموت لا يرجع إلى الدنيا، لكن لو أرجعهم سيعودون لمعاصيهم وكفرهم وشركهم. ﴿فَإِنَّهُ كَانَ لِلْأَوَّابِينَ غَفُورًا﴾، الغفور أو الأوّاب لها معانٍ كثيرة عند العلماء خاصةً في كتب التفسير: تأتي بمعنى المطيع، وتأتي بمعنى الصالح، وتأتي بمعنى المُصلح، وتأتي بمعنى المسلم، وتأتي بمعنى الذي يفعل الخير، وتأتي بمعنى الذي يصلي صلاة الضحى والنوافل، لكن أعدل الأقوال وأرجح الأقوال أنه التواب، أنه الذي يتوب ويكثر من التوبة، كلما أذنب ندم واشتد ندمه وعاد إلى ربه واستغفر الله من ذنبه، لأنه قال ﴿فَإِنَّهُ كَانَ لِلْأَوَّابِينَ غَفُورًا﴾، ما دام أنه يتوب ويرجع، الله يغفر لأنه غفور رحيم سبحانه. قال بعد ذلك: ﴿وَآتِ ذَا الْقُرْبَىٰ حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا﴾. بعد أن ذكر حق الله عز وجل وذكر حق الوالدين وذكر أن الله يعلم ما في الأنفس، إن حصل قصور — لأنه قد يحصل قصور مع الوالدين لكن لأن الله يعلم ما في نفسك ولأنك أوّاب وترجع يتجاوز عنك ويغفر لك — بعد ذلك جاءت حقوق الآخرين بعد الوالدين في الدرجة الثانية أو الثالثة وهكذا. ﴿وَآتِ ذَا الْقُرْبَىٰ﴾، من هم هؤلاء؟ أقرب الناس إليك بعد الوالدين: إخوتك، عماتك، أعمامك، خالاتك، هؤلاء هم ذوو القربى. فهؤلاء ينبغي أن نُحسن إليهم ونعطيهم حقوقهم. ما هي حقوقهم؟ صلة الرحم، الإكرام، الكلمة الطيبة، الإحسان إليهم، لأن صلة الأرحام من الفرائض التي فرضها الله، وفي المقابل قطيعة الأرحام من كبائر الذنوب ومن الفساد في الأرض، فيجب أن تصل أقاربك وأهلك وأقرب الناس إليك بعد الوالدين. عندك مال رزقك الله خيراً، صلهم بالمال، يبارك الله في مالك ويكثره، لأن الله ما من نفقة تنفقها إلا يخلفها لك خيراً ويبارك فيها، ولا ينقص المال من صدقة، خاصة من فتح الله عليه وهو يعرف أن هؤلاء الأقارب وخاصةً أقرب الناس إليك الخالات والعمات والضعاف من النساء يجب أن تنفق عليهم إذا فتح الله عليك وعندك مال كثير وهم لا يوجد من ينفق عليهم، خاصة كما أشرنا الأصول والفروع، وهكذا من كانوا من الحواشي كالعمات والخالات. ﴿وَالْمِسْكِينَ﴾، أي أعطِ المسكين حقه، وما هو حق المسكين؟ الزكاة، لأن المسكين صنف من أصناف الزكاة الثمانية ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ﴾، وكذلك حقه لكنه ليس على سبيل الوجوب أيضاً الصدقة، فتعطيه الزكاة وتعطيه الصدقة على سبيل الثواب والأجر والنافلة. ﴿وَابْنَ السَّبِيلِ﴾، الذي انقطع به الطريق لا نفقة له لا يستطيع أن يرجع إلى أهله، يقال له ابن السبيل، يعني ابن الطريق، هذا أيضاً حقه أن تكرمه وأن تستضيفه، لأنه لا مأوى له وانقطعت به النفقة فيجب أن تقوم بحقه. فهذه من الحقوق. ﴿وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا﴾، في المقابل إذا أنفقت وفتح الله عز وجل عليك إياك من التبذير، لماذا؟ لأن التبذير محرم وهو نفسه الإسراف، الإسراف والتبذير شيء واحد، ﴿وَلَا تُسْرِفُوا ۚ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾. كلوا اشربوا افعلوا المباح البسوا، كل هذه مباحات، لكن لا تسرف يا بني آدم: ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا ۚ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾. وكذلك في الحديث قال عليه الصلاة والسلام: «كلوا واشربوا والبسوا غير إسراف ولا مخيلة»، إياكم من التبذير والإسراف والخيلاء التي هي الكِبر. فإذا أكلت أو شربت إياك أن تتجاوز الحد فتذهب بهذه النعمة وترمي بها من كثرة هذه النعم التي أنعم الله سبحانه وتعالى عليك. إن كان عندك نعمة زائدة فتفقد إخوانك من جيرانك الفقراء والضعفاء والمحتاجين والأرامل، حتى يبارك الله سبحانه وتعالى في هذا المال. وانظر إلى وصف هؤلاء المبذرين بماذا وصفهم الله، قال: ﴿إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ ۖ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا﴾. يكفي في نبذ التبذير وفي أنه سيء وقبيح أن الله جعل هذا المبذر من إخوان الشياطين، لأن الشيطان هو شيخ المبذرين وشيخ المسرفين وهو رأس الكفر، لهذا قال: ﴿وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا﴾. فاحذر من التبذير والإسراف والتجاوز سواء في الملبس أو المطعم أو ما تعيشه مع أهلك في بيتك. والسبب في إسراف الناس وتبذير الناس أن بعضهم نشأ على هذا فيظن أن هذا الإسراف من حياته ومن روتينه اليومي لكثرة مال أبيه وأجداده فيسرف، فإذا قيل له اتق الله قال: هذا شيء عادي، هذا نعمله كل يوم، يعني وهو يسرف ويقع في الحرام. وزد إلى ذلك البيئة التي يعيشها والصحاب والأصحاب الذين حوله، الصاحب ساحب، والإنسان يتأثر بمن يمشي معه، لهذا قال عليه الصلاة والسلام: «فلينظر أحدكم من يخالل»، من يمشي مع من؟ هذا الخل قد يؤذيك ويضرك، ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَىٰ يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا يَا وَيْلَتَىٰ لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا﴾، لأن هذا الذي أضلّه وذهب به إلى ما يضره. ﴿وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغَاءَ رَحْمَةٍ مِّن رَّبِّكَ تَرْجُوهَا فَقُل لَّهُمْ قَوْلًا مَّيْسُورًا وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَىٰ عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَّحْسُورًا﴾. هذه تبيّن ما يتعلق بالإسراف، إياك أن تكون بخيلاً فتجعل يدك إلى عنقك من شدة البخل، ولا تبسطها كل البسط يعني توسط، لأن الله لما ذكر المؤمنين الصالحين قال: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَٰلِكَ قَوَامًا﴾، التوسط والوسطية هي من أعظم صفات هذه الأمة ﴿وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾. فلا تكن من البخيلين الذين يضيقون على أولادهم وزوجاتهم حتى يكاد أحدهم يموت من الجوع، ولا تكن كذلك من المسرفين إخوان الشياطين المبذرين، أنفق وكن كريماً لكن حافظ على النعمة. إذا وجدت شيئاً زائداً من طعامك أو لباسك ابحث عمن يحتاجه وأعطه وتصدق به، وأفضل الصدقة أن تتصدق من أفضل لباسك ومن أفضل طعامك، هذه الصدقة الحقيقية وأنت قادر، لكن عندما تكون تعطي الشيء السيء أو الشيء التالف أو الشيء الخبيث الذي لا ينفع فهذا ليس الصدقة الحقيقية التي يريدها الله: ﴿وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنفِقُونَ وَلَسْتُم بِآخِذِيهِ إِلَّا أَن تُغْمِضُوا فِيهِ﴾، هذا الشيء أنت لا تريده لسوئه فتبحث بعد ذلك عن الفقراء. إذن هذه الآيات العظيمة وقوله: ﴿وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ﴾، يعني بمعنى أريد أن أعطي لأقاربي أريد أن أنفق على المسكين لكن ما عندي شيء فأعرض عنهم لأني أيضاً أنا لا أملك، قال: ﴿ابْتِغَاءَ رَحْمَةٍ مِّن رَّبِّكَ تَرْجُوهَا﴾، تقول: يا رب لعل الله يرزقني شيئاً فأنا أؤمل خيراً أن الله يعطيني من الرزق فإذا أعطاني أعطيت لأقاربي أعطيت للمساكين، هذه نية حسنة ونية طيبة يعلمها الله منك فيكتب لك الأجر مع أنك قد لا تعمل هذا الفعل ولا يصلك المال ولا تتصدق، لكن لأن نيتك حسنة وترجو خيراً من الله حتى تعطي لهؤلاء فهنا في هذه الحال يكتب الله لك الأجر. وفي المقابل لأنك لا تملك المال ﴿فَقُل لَّهُمْ قَوْلًا مَّيْسُورًا﴾، هؤلاء تكلم معهم بالكلام الحسن والطيب، ما استطعت أن تنفق المال وهو حسن، أنفق الكلام الطيب والكلام الحسن. نسأل الله سبحانه وتعالى التوفيق والإعانة، وبهذا القدر كفاية، وفق الله الجميع لما يحبه ويرضاه، صلى الله على محمد وعلى آله وصحبه.