هل أقر مشركو العرب بتوحيد الربوبية إقراراً كاملاً
السؤال
أحسن الله إليكم فضيلة الشيخ، يقول السائل: هل مشركو العرب أقروا بتوحيد الربوبية إقراراً كاملاً؟
الجواب
العلماء عندما يقولون إن المشركين أقروا بالربوبية لا يقصدون أنهم أقروا إقراراً كاملاً. نعم الله عز وجل ذكر إقرارهم في الخلق والرزق وفي التدبير والإحياء والإماتة وغير ذلك كما أخبر الله عنهم في القرآن، لكن مع ذلك يقال إن مشركي العرب وقعوا في أشياء تخل بتوحيد الربوبية وتقدح فيه. والأدلة على ذلك كثيرة: من ذلك اعتقادهم في الكهنة والسحرة بأنهم يعلمون الغيب، وكذلك منهم من يعتقد أن آلهتهم تنفع وتضر وأنها مصدر للخير أو مصدر للبركة. وقد جاء في كتاب الله أنهم زعموا أن لله أولاد - تعالى الله عما يقولون - وذكروا كما أخبر الله عنهم أن الملائكة بنات الله، كما قال الله: ﴿وخرقوا له بنين وبنات بغير علم﴾. ومعروف أن ادعاء أن الله له ولد هذا من أخبث العقائد التي قالت بها اليهود والنصارى ومشركو العرب، فالله سبحانه وتعالى ﴿ليس كمثله شيء﴾، لا صاحبة ولا ولد. وقد ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية في عدة مواضع من كتبه أن هذا موجود عند أكثر المشركين، وأنه نوع تعطيل في الربوبية، نص على هذا في «درء التعارض» ونص على هذا في «الأصبهانية» أن كثيراً من مشركي العرب يظنون في آلهتهم شيئاً، أنها تنفع وتضر بدون أن يخلق الله ذلك، الله لم يخلق ذلك، هي آلهتهم التي خلقت، وهذا الشرك في الربوبية. ونص شيخ الإسلام على أن هذا الشرك في الربوبية وكان موجوداً عندهم. لهذا الله عز وجل يقول في القرآن: ﴿ما اتخذ الله من ولد وما كان معه من إله، إذاً لذهب كل إله بما خلق ولعلا بعضهم على بعض﴾. وهذا الكلام أيضاً نقله ابن أبي العز في شرحه «للطحاوية» واستفاده من شيخ الإسلام، مع أنه لم يذكر شيخ الإسلام وإنما نقل عبارة شيخ الإسلام: أن كثيراً من مشركي العرب يظنون في آلهتهم شيئاً من النفع والضر بدون أن يخلق الله ذلك. وزِد إلى ذلك أن مشركي العرب كانوا يسبّون الله إذا سب المسلمون أصنامهم وأوثانهم، وهذا الشرك في الربوبية: ﴿ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدواً بغير علم﴾. بل زِد إلى ذلك ما جاء في تفسير قوله تعالى: ﴿وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون﴾، كانوا لا ينسبون السقيا إلى الله، ينسبونها إلى الكواكب، «مُطرنا بنوء كذا» و«مُطرنا بنوء كذا»، كما في حديث زيد بن خالد في الصحيحين، ولهذا جاء في صحيح مسلم أن ابن عباس قرأ هذه الآية ﴿وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون﴾ وساق الحديث عن رسول الله عليه الصلاة والسلام: «أصبح من الناس شاكر ومنهم كافر». فدل هذا على أن عندهم خللاً في الربوبية، ولم يؤمنوا ولم يقروا الإقرار الكامل. بل إن تكذيبهم بالرسل أيضاً هذا دليل على أنهم ما أقروا بالربوبية، إنما إقرارهم كان من حيث الجملة. ولهذا ذكر الله في كثير من الآيات أنهم زعموا أن الأنبياء والرسل سحرة وأنهم كذابون، كما قال الله: ﴿وعجبوا أن جاءهم منذر منهم وقال الكافرون هذا ساحر كذاب﴾. ذكر العلماء أن إنكار الرسالة طعن في الرب - هكذا نص بعض العلماء «إنكار الرسالة طعن في الرب» - وهم قد أنكروا الرسالة: ﴿هل هذا إلا بشر﴾، ﴿إن أنتم إلا بشر مثلنا﴾، بل قالوا: ﴿ما أنزل الله على بشر من شيء﴾. إذن هذه كلها أدلة تدل على أن المشركين، مشركي العرب، لم يقروا بتوحيد الربوبية الإقرار الكامل، إنما كان من حيث الجملة. نعم أقروا.