شرح أثر معاوية وابن عباس: أنا على ملة رسول الله ﷺ
السؤال
الجواب
قال رحمه الله: قال حدثنا أبو الفضل شعيب بن محمد بن راجيان الكوفي، قال حدثنا علي بن حرب، قال حدثنا سفيان بن عيينة، عن ابن طاوس، عن أبيه، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال لي معاوية رحمة الله عليه: أنت على ملة علي رحمة الله عليه؟ قلت: لا، ولا على ملة عثمان، أنا على ملة رسول الله صلى الله عليه وسلم. هذا الأثر أثر صحيح كذلك. وهذا الذي جرى بين معاوية رضي الله عنه — معاوية بن أبي سفيان — وما جرى أيضاً من حوار مع ابن عباس، قال العلماء إنما كان على وجه المداعبة، كان معاوية يداعب ابن عباس فيقول له: هل أنت على ملة علي؟ ومعروف الخلاف الذي جرى بين معاوية وعلي، ولم يقصد معاوية أن ينسب ابن عباس إلى أن يتولى علياً بمعنى لا يخرج عن قوله ويتعصب له، هذا كذب ولا يحصل هذا بين الصحابة، بل كان يرد بعضهم على بعض لكن بعلم وأدب. والدليل أن علياً لما حرق السبئية الروافض الذين زعموا أنه إله من دون الله كما في صحيح البخاري، أنكر ابن عباس هذا التحريق وقال: لا يعذب بالنار إلا رب النار. فكان الصحابة إذا وجد صحابي خالف شيئاً أو اجتهد في أمر يصوبه ويبين له السنة. فابن عباس أقر علياً على قتلهم، قال: لو كنت مكانه لقتلتهم لكن لا أحرقهم، لأن النبي عليه الصلاة والسلام نهى عن التعذيب بالنار، ثم قال: فقد قال عليه الصلاة والسلام: «من بدل دينه فاقتلوه» كما في البخاري، يعني يستدل علي أن هؤلاء حقهم القتل لكن ليس بالنار. فهنا داعبه: هل أنت على ملة علي؟ قال: لا على ملة علي ولا على ملة عثمان، إنما أنا على ملة رسول الله عليه الصلاة والسلام. ولهذا لما جاء معاوية ودخل مكة وطاف بالبيت كان يضع يده في أركان البيت، يمس هذا الركن ويمس هذا الركن ويمس هذا الركن، فابن عباس رآه فأنكر عليه مع أنه خليفة وملك في ذاك الوقت، فقال له: يا أمير المؤمنين، لم يمس النبي عليه الصلاة والسلام إلا الركن اليماني وقبل الحجر الأسود. فقال: يا ابن عباس، ليس في البيت شيء مهجور. فقال له ابن عباس رضي الله عنه: يا أمير المؤمنين، ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾، فخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم. فقال: صدقت، فرجع معاوية عن هذا الفعل. إذن هو اجتهد معاوية وعظم البيت وظن هذا أنه من تعظيم البيت. فالصحابة هكذا حالهم، يرد بعضهم على بعض. لهذا نحن إذا اختلف الصحابة ما هو دورنا؟ ننظر من الذي عنده النص؟ من الذي عنده الدليل؟ وغالباً غالباً لا يعاندون ولا يكابرون، وهذا مثال واضح، لما قال له خير الهدي هدي النبي عليه الصلاة والسلام و﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾، يعني رسول الله عليه الصلاة والسلام ما فعل هذا الذي فعلته، فرجع معاوية وشكر لابن عباس. والأمثلة كثيرة كثيرة جداً في ذلك، لأن الصحابي أحياناً لا يطلع على السنة، وهذا ما حصل مع عمر، لما جاء أبو موسى الأشعري واستأذن ثلاثاً وانصرف، فعمر ما كان يعرف هذه السنة، فقال يا رسول الله — فقال أبو موسى: يا عمر، إنها سنة رسول الله، الاستئذان ثلاثاً. فعمر أراد من أبي موسى أن يأتي بشاهد على ما يقول، قال: لتأتيني بشاهد، وهذا كان أمير المؤمنين له أن يطلب ذلك للتثبت حتى يعلم الناس. فذهب أبو موسى إلى قوم الأنصار وهم جلوس فأخبرهم، فأقاموا معه أبا سعيد الخدري فذهب وشهد مع أبي موسى. فقال عمر: إنما أحببت أن يتثبت الناس، يعني ليس معنى ذلك أني لا أقبل خبر الآحاد، لكن أردت التثبت. لأنه حتى الاثنين ما زال خبر آحاد، حتى لا يقول قائل عمر لا يقبل خبر الآحاد، وهذا هو الدليل: جاء أبو موسى وجاء أبو سعيد، هم اثنان عند العلماء علماء المصطلح أنهم ما زالوا خبر آحاد، لأنه لا يخرج عن خبر الآحاد إلى المتواتر إلا بالعدد الكبير، حتى بعضهم حدده بأربعين، وبعضهم حدده بأكثر من ذلك، وبعضهم حدده باثني عشر رجلاً، فليس غرض عمر ما يتعلق بالآحاد لأنه بيِّن، إنما يريد أن يتثبت الناس في هذه الأمور التي قد يعلمها البعض ولا يعلمها البعض. إذن هذا هو المقصود بهذا الأثر، وكما أشرت هو أثر صحيح أخرجه عبد الرزاق في المصنف وغيره.