المنهج السلفيالمنهج السلفي
الرئيسيةالمقالاتالمواضيع
الفتاوى

بحث...

اكتب للبحث بالمعنى، وليس فقط بالكلمات المفتاحية

أثر مالك بن أنس في عيب الجدال في الدين، وأدب المناظرة بين السلفيين

عرفات بن حسن المحمدي•١ نوفمبر ٢٠٢٥ / 10 ⁧جمادى الأولى⁩ 1447•0 مشاهدة
0:000:00

السؤال

قال إسحاق بن عيسى: «سمعت مالك بن أنس يعيب الجدال في الدين، ويقول: كلما جاءنا رجل هو أجدل من رجل أراد أن نترك ما جاء به جبريل إلى النبي صلى الله عليه وسلم».

الجواب

نعم، هذا يؤكد ما قد مضى في الدروس الماضية، الخصومات، الجدال، الكلام مع أهل البدع. قد تكلمنا بالأمس عن هذا كثيراً وذكرنا آثار طاوس وعطاء ومجاهد والشعبي لما ذكروا أن الخصومات مَحَقَة للدين، وأنها ما خاصم وَرِعٌ قط. هذه الآثار كلها تبيّن ما يقوله الإمام مالك هنا في هذا الأثر. وذكرنا كلام البربهاري رحمه الله عندما قال: الكلام والخصومة والجدال والمراء كله مُحدث، يقدح الشك في القلب. لهذا كان السلف لا يناظرون ولا يناقشون وهم يعرفون أن هؤلاء معاندون. هل معنى أن ابن سيرين لا يناقش أحداً؟ كان يناقش من كان جاهلاً، من كان التبس عليه الأمر، من احتاج إلى فتوى يعلّمه، لكن لما يأتيه المعاند المبتدع الضال المجادل الذي يريد الجدال، وهذا منهم الذي في قصة مالك هنا، انظروا ماذا قال «سمعت مالك بن أنس». من الذي سمع؟ إسحاق بن عيسى، إسحاق بن عيسى من تلاميذ مالك، وهو إسحاق بن عيسى الطباع رحمه الله، مات بعد مالك بثلاثين سنة تقريباً، سنة أربع عشرة ومئتين. لأن الإمام مالك وهو إمام دار الهجرة وهو رأس المتقنين كما قال الحافظ ابن حجر في التقريب: «رأس المتقنين وكبير المتثبتين»، كان جمع بين الفقه والحديث، مالك توفي سنة تسع وسبعين ومئة، وإسحاق بن عيسى الطباع وهو بغدادي أبو يعقوب كذلك مات سنة أربع عشرة ومئتين. ماذا يروي عنه؟ يقول: مالك بن أنس عندما يعيب الجدال في الدين «كلما جاءنا رجل هو أجدل من رجل»، أفعل التفضيل يعني أقوى في الجدال، قال: «أردنا أن نترك ما جاء به جبريل إلى النبي عليه الصلاة والسلام». عندك «أردنا» هكذا؟ «أراد»، هذه تحريف أيضاً فيها تصحيف، ليس «أردنا»، إنما «أراد» هذا الرجل الأجدل المناظر المناقش الذي يكثر الجدال وهو قد يكون أجدل من غيره يريد منا أن نترك ما جاء به جبريل. ما معنى يريد منا أن نترك ما جاء به جبريل؟ يوضح هذه الرواية ما جاء عند الآجري في الشريعة وجاء كذلك عند المؤلف الإبانة الكبرى، أن مالكاً خرج من المسجد يوماً وكان معه تلميذه معني بن عيسى، ليس هذا الذي معنا في السنة، إسحاق بن عيسى، معني بن عيسى، قال: بينما أنا مع مالك ونحن قد خرجنا من المسجد، جاءه رجل، أي من هؤلاء المجادلين، قال: اسمع يا مالك، اسمع يا إمام، أكلمك أريد أن أناظرك أريد أن أخبرك، فإذا غلبتك تتبعني — أو قال له: نعم، لم يقل له ذلك، قال له: أريد أن أناظرك، أريد أن أحاجك أريد أن أخبرك، فالإمام مالك قال له: إن غلبتني ماذا سيكون الأمر؟ يعني لو وافقت وجادلتك فأنت كانت لك الغلبة في النقاش، قال: إن غلبتك تتبعني، قال: فإن جاء ثالث وغلبني وغلبك؟ قال: نتبعه. انظروا الآن لن تنتهي السلسلة، وهكذا كلما جاء رابع كلما جاء خامس. فماذا قال له مالك؟ قال له: يا عبد الله، إن الله بعث محمداً عليه الصلاة والسلام بدين واحد، أنت الآن تريدنا أن نتنقل، وقد تكلمنا بالأمس عن التنقل بسبب الخصومات. قال له: وأراك تتنقل من دين إلى دين، فأنت ستغلبني وسأتبعك، ثم سيغلبنا فلان وسنتبعه، ثم الرابع وسنتبعه، إذن هذا ما هو دين واحد. وهذا يؤكد ما قال: «أراد أن نترك ما جاء به جبريل إلى النبي صلى الله عليه وسلم». وهذا الأثر صحيح، أثر صحيح أخرجه أحمد في كتابه العلل ومعرفة الرجال بسند صحيح، أحمد يرويه عن إسحاق بن عيسى عن أنس بن مالك — عن مالك بن أنس رحمه الله. وأما الأثر الآخر الذي جاء يناظره هو رجل متهم بالإرجاء كما جاء في الرواية عند الشريعة، عند الآجري في الشريعة، وكنيته أبو الجويرية، هكذا يقول عيسى بن معن: جاء أبو الجويرية وهو رجل متهم بالإرجاء فقال، ثم ذكر القصة. إذن هو أثر صحيح وفيه ما ذكرناه وقلناه من قبل ونكرره: اترك الجدال، اترك الخصومات، السلفي يكون عاقلاً في هذه الأمور، حتى لو جادل إخوانه في مسائل علمية أو مسائل فقهية لا بد أن يناظر بأدب، هذا واحد، ثانياً لا بد أن يناظر بعلم، هذا الأهم، لا يجوز لك أن تدخل في مسائل علمية سواء كانت في العقيدة أو في الفقه أو حتى في النحو وأصول الفقه وعلوم الآلة، أي علم من هذه العلوم، لا يجوز لك. إذا كان في أمور الدنيا، إذا جاء الطبيب وتطبَّب وهو ليس بطبيب أو جاء المهندس وهو ليس بمهندس، لذمَّه الناس وكرهوه وحذروا منه: كيف تتطبب وأنت لست بطبيب؟ فما بالكم بدين الله الذي لا يجوز الكلام فيه والتقول فيه إلا بعلم؟ فأنت تتعلم، ادرس، أخوك إما أن تستفيد منه لأنه أعلم منك وقد درس هذه المسألة وهو أقدم منك في الطلب وقد أحاط بهذه المسألة استفد منه، بل هذا شيء طيب لك، وإما أن يكون مثلك فتتذاكرون يذكرك بشيء وتذكره بشيء، وإما أن يكون أقل منك علماً فتعلّمه وتبيّن له، هكذا العقلاء. كذلك الأدب، إياك من رفع الصوت عند المناقشة، هذا ليس من الأدب. إياك من احتقار الآخرين: «أنت لا تفهم، أنت ما زلت صغيراً، من أنت؟ اذهب، أنت لست مثلي»، كلها كلمات فيها عجب وفيها احتقار، لا يليق بطالب العلم أن يكون هكذا. طالب العلم لا يتكلم إلا بالخير كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «قل خيراً أو اصمت». فكيف إذا كنت والعياذ بالله تريد أن تظهر نفسك وتريد أن تبيّن أنك أنت الأعلم وأنك أنت الأجدل، هذه من أمراض القلوب، قد لا يكتب الله لك أي حسنة، قد يكتب عليك وزراً وإثماً، فهل بالله نحن نطلب العلم من أجل أن يكتب علينا وزر وإثم؟ هل نحن نطلب العلم ونحفظه من أجل أن نماري الناس ونجادلهم ولا نريد أن نعلم الناس ونخرجهم من الخطأ والضلال والبدعة والجهل؟

المصدر : Telegram

المنهج السلفي

موارد إسلامية أصيلة،

مبنية على منهج السلف الصالح.

معلومات

  • من نحن
  • الإشعار القانوني
  • سياسة الخصوصية
  • سياسة ملفات تعريف الارتباط

تابعنا

© 2026 المنهج السلفي. جميع الحقوق محفوظة.