أثر الأوزاعي في خطوات إبليس وأن البدعة أحب إليه من المعصية
السؤال
الجواب
وذكر أثر الأوزاعي. والأوزاعي هو عبد الرحمن بن عمرو وكنيته أبو عمرو، فوافقت كنيته اسم أبيه، عبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي. كان إمام الدنيا في زمنه وإمام أهل الشام، حتى ذكروا أنه لم يأتِ من التابعين أو بعد التابعين من هو أفقه من الأوزاعي. ثم ذكروا بعد الأوزاعي ابن قدامة الحنبلي صاحب المغني، قالوا: ما دخل الشام بعد الأوزاعي مثل ابن قدامة في الفقه. وهذا الإمام رحمه الله كان فقيهاً سلفياً جليلاً، وذكروا أنه توفي سنة سبع وخمسين ومائة. ماذا يقول الأوزاعي؟ وأثره صحيح أخرجه الدارمي في السنن أو في مسنده، قال إبليس لأوليائه — وهنا قد يقول قائل: كيف عرفوا أن إبليس قال هذا، من أين لهم؟ وحقيقة هذا لم يرد فقط عن الأوزاعي، ورد عن جمع من التابعين أو الفقهاء والعلماء أنهم كانوا يذكرون شيئاً من ذلك: قال إبليس لجنوده، فعل إبليس كذا وكذا، إبليس يفعل كذا عندما يريد أن يدخل في هذه الخطوات، حتى ابن القيم ذكر شيئاً من ذلك في عدة مواضع من كتبه. قد يقول قائل: استفادوا هذا من النصوص التي وردت عن السلف، وقد يقول قائل: قد يكون سمعوا شيئاً من ذلك من الجن الذين أسلموا وصدقوا، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام لأبي هريرة: «صدقك وهو كذوب». ثالثاً وجدوا أن هذا يوافق النصوص العامة، لأن إبليس مثلاً إذا أراد أن يضل الناس ماذا يريد من الناس؟ يريد من الناس أن يخرجوا من دائرة الإسلام إلى الشرك والكفر والنفاق، ثم يتبرأ منهم: ﴿إِنِّي بَرِيءٌ مِّنكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾. فإذا ما استطاع إبليس أن يخرج الناس من الإسلام إلى الكفر والشرك والنفاق ماذا سيصنع؟ سينظر إلى الخطوة التي تلي ذلك، ما هي الخطوة التي تليها؟ ما هو أشر شيء بعد الشرك والنفاق والكفر؟ البدعة. فهي أحب إلى إبليس من الكبائر والمعاصي. فإذا استطاع أن يخرج الإنسان إلى البدعة فهو بين أمرين: إما أن يجعله داعية من الذين يدعون إلى هذه البدعة، أو يجعله يتعبد بهذه البدعة ويكره أهل السنة ويبغضهم ويظلمهم. طيب كيف يجعله داعية؟ قالوا: يأمر هذا المبتدع بأن يكثر من التزهد والعبادة والقرب إلى الله ببدعته، ثم يذهب إلى الناس ويجعل هؤلاء الناس يمدحونه ويمتدحونه لعبادته وقربته إلى الله بهذه البدعة، فإذا جاء الثناء من الناس صار هذا الرجل رأساً، فإذا صار رأساً تبعه الناس. فإذا عجز إبليس أن يجعله رأساً — وأنتم تعرفون ما من بدعة إلا ولها رأس، القدرية، الجهمية، كلها لها رؤوس بسبب إبليس — عجز أن يجعله رأساً، قال: يجعله على بدعته يتعبد بها لكنه يجعله ممن يكره أهل السنة ويظلمهم ويؤذيهم. فإذا عجز ما استطاع لهذا ولا استطاع لهذا ينتقل إلى المرحلة الثالثة وهي الكبائر، فيأتي إلى الإنسان ويقرب له هذه الفاحشة أو الكبيرة ويزينها له حتى يقع فيها. هذا الرجل الآن سلم من الشرك والكفر والنفاق والبدعة، إذن هو على السنة، أليس كذلك؟ لما كان على السنة وزين له الكبيرة فوقع فيها يقول له: أنت على السنة، أنت على خير، استمر على هذا، حتى لو استمريت نعم هذا غلط هذه الكبيرة معصية وهذا خطأ، لكن كونك على السنة أنت أفضل من هؤلاء أهل البدع، فإن قبور أهل السنة وأعمالهم وإن قعدت بهم قامت بهم عقائدهم، وقبور أهل السنة روضة من رياض الجنة، فيزين له الكبيرة باسم أنك على السنة وأنك على خير بخلاف أولئك المبتدعة، هؤلاء شر، وهؤلاء حتى لو قامت بهم أعمالهم قعدت بهم عقائدهم، وأهل البدعة إنما قبورهم حفرة من حفر النار بسبب بدعتهم. فيبقى على الكبيرة، هذا بسبب من؟ بسبب إبليس. لهذا ابن القيم لما ذكر هذا النوع — صاحب الكبيرة السلفي السني — قال: فوقع في حبائله وفي حيلة إبليس مع أنه سني. قال: ولا يخرج من هذا إلا الراسخ في العلم، لأن هذه كلها شبهات. لما يقول لك أنت سني والقبر روضة لصاحب السنة بخلاف صاحب البدعة وأنت وإن كنت على فاحشة وقل عملك لكنك على عقيدة سليمة، قال هذا الرجل احتال عليه إبليس واستطاع أن يدخله في دائرة لن يخرج منها، قال: لكن الراسخ صاحب العلم لا يقع في هذه الحيلة ولا في هذه الخطوة. طيب بعد ذلك نجا الإنسان من الكبائر، نجا من الشرك والكفر والنفاق والبدعة والكبيرة، يأتي إبليس إلى الصغائر، فيبقى وهو يريد أن يقول له: هذه صغيرة، هذه سهلة، يمحوها الصلاة، تمحوها الخطى إلى المساجد، تمحوها كذلك الصيام والصدقة والأمر بالمعروف، فيأتي أيضاً ويقع في هذه الحيلة، فتراه يكثر من الصغائر بحجة أنها صغيرة وأن الله سيتجاوز لأني على السنة وعندي أعمال صالحة الجمعة إلى الجمعة مكفرات، رمضان إلى رمضان، فيقع في هذه الحيلة فيكثر من الصغائر. لهذا كان ابن عباس رضي الله عنه — وجاء عنه بسند صحيح — كان يقول: لا صغيرة مع الإصرار ولا كبيرة مع الاستغفار، يعني الكبيرة إذا وقعت فيها وتبت واستغفرت ذهبت هذه الكبيرة وتجاوز الله عنك، لكن صغيرة وتصر عليها وتكثر منها وتعملها، حتى إن بعض السلف كانوا يجعلون الرجل فاسقاً إذا أصر على الصغائر، لأن الإصرار خطير ﴿وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَىٰ مَا فَعَلُوا﴾. فهنا إبليس جاء إليه بهذه الحيلة فيقع المسكين في كثرة الصغائر. الخطوة الأخيرة عند إبليس — وقد ذكر الله أنها خطوات — نجا الرجل من الشرك والكفر والنفاق والبدعة والكبيرة والصغيرة، ماذا يصنع إبليس؟ يشغله بالمباحات ويشغله بالأشياء التي هي فضول الأمور ويتوسع فيها فيضيع وقته. المسكين يصير فقط يهتم بدنياه وعائلته ويهتم بالأمور المباحة ويتوسع فيها ويضيع وقته الذي لو كان حرص عليه لقرأ قرآناً، لحفظ حديثاً، لتعلم شيئاً ينفعه، لأمر بمعروف، لنهى عن منكر، قام الليل، صلى الضحى، صام النهار. قال: فيأتي إلى هذه المباحات ويشغله ويشغله، فينشغل بالمباحات. وانظر إلى الجلد الذي عند إبليس، ما يتركك إلى أن تفارق الدنيا وهو على رأسك، لأنه كأنه ما خلق إلا لهذا: ﴿لَآتِيَنَّهُم مِّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَن شَمَائِلِهِمْ ۖ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ﴾. لهذا استطاع في الحقيقة أن يضل أكثر الناس، ولهذا أكثر أهل النار من بني آدم ذهبوا خلف إبليس، وأهل الجنة هم قليل ﴿وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنكُمْ جِبِلًّا كَثِيرًا﴾ يعني خلقاً كثيراً. لما قال الأوزاعي رحمه الله قال: قال إبليس لأوليائه: من أين تأتون؟ يعني يسأل جنوده كيف تأتون إلى بني آدم، ماذا تصنع بهم؟ قالوا: نأتيهم من كل باب — وهذا الذي ذكرناه: من كل باب، باب الشرك، باب النفاق، باب الكفر، الكبيرة، البدعة، المعصية سواء كانت صغيرة أو كبيرة، المباحات، ما نتركهم من كل باب. قال: فهل تأتونهم من قِبل الاستغفار؟ يعني لو أن إنساناً وقع في الذنب وهذا الذنب سيستغفر الله منه، الذنوب هل تأتوهم من هذا الباب؟ قالوا: إن ذلك شيء لا نطيقه إنهم لو يقرون بالتوحيد، يعني هؤلاء موحدون وإذا جئنا إلى المعصية يستغفرون الله فتذهب هذه المعصية التي تعبنا وبقينا فيها. فماذا صنعوا؟ ذهبوا إلى أمر لا يستغفر صاحبه منه وهي البدعة، لهذا قلنا السلف أجمعوا — كما قال شيخ الإسلام أجمع السلف — على أن البدعة أحب إلى إبليس من المعصية، وهذا هو السبب: يقع في بدعته فيتدين بها لا يعتقد أنها معصية أو مخالفة، يراها ديناً وقربةً، فكيف سيتوب منها وهي دين قربة. لهذا قال: لآتينهم من باب لا يستغفرون الله منه، قال: نبث فيهم الأهواء والبدعة، فيكون صاحب هوى ومبتدع وهو يتقرب إلى الله بل قد يقاتل أهل السنة على بدعته. لهذا الذنوب يوم عرفة كما ذكر العلماء، لا يُرى أحقر ولا أصغر ولا أذل من إبليس، ما السبب؟ هذا اليوم تنزل الرحمات ويغفر الله الذنوب والمعاصي، وكما جاء في الحديث في صحيح مسلم يدنو الله عز وجل ويباهي بهؤلاء الذين جاؤوا إلى عرفة، فإبليس يكون أحقر الناس في ذلك الوقت وكأنه يقول: سنوات وأنا أسعى إلى هؤلاء أن يقعوا في البدع والمعاصي والذنوب، ها هم جاؤوا وقد تابوا، إلا المبتدع الذي مُصر على بدعته لأنه يتدين بها. فهذا ما يتعلق بباب المعاصي. هذا هو الفرق في يوم عرفة في غيرها من الأيام التي فيها مغفرة وفيها توبة، مثل رمضان أيضاً شهر تغلق فيه أبواب النيران وتسلسل الشياطين، كذلك هذا يكون أشد ما يكون على إبليس، لكن لو أنه جاء إلى البدعة قال: قد جئنا إلى شيء أو آتيناهم من باب لا يستغفرون منه. فاستطاع إبليس لخبثه وإجرامه أن يجعل الناس يقعون في أمر لن يستغفروا الله من هذا الأمر وهي البدعة، وهذا يبين خطورة البدعة وهذا يؤكد قول الثوري: البدعة أحب إلى إبليس من المعصية. وزد إلى ذلك أن الحسن البصري أيضاً ثبت عنه شيء من ذلك، يعني ذكر أن إبليس يأتي أيضاً إلى الناس ويقول: سولت لأمة محمد المعاصي فقطعوا ظهري بالاستغفار، يعني أوسوس وأوسوس حتى يقع في المعصية فإذا استغفر ذهب كل هذا الجهد، قال: ثم بعد ذلك نظرت فرأيت أن أُحدث لهم أمراً لا يستغفرون الله منه، فأحدثت لهم الأهواء، فلا يستغفرون من الأهواء. وإن كان فيه مقال هذا الأثر، لكنه يوافق أثر الأوزاعي وقد أخرجه هناد في كتابه الزهد. وهكذا أيضاً ورد عن بعض الصحابة، منهم ابن مسعود رضي الله عنه كما عند الهروي وعند أيضاً المؤلف في الإبانة الكبرى، أنه كان يحذر من البدع، وابن مسعود من أكثر الصحابة بل قد يكون هو أكثرهم ممن كان يحذر من البدع والتبدع والتنطع، ويأمر بالأمر الأول الذي هو ما كان عليه النبي عليه الصلاة والسلام وأصحابه، فذكر في هذا الأثر الذي أخرجه الهروي وأخرجه ابن بطة في الإبانة الكبرى: «إياكم وهذه البدع»، كان يحذر ويقول: إياكم وهذه البدع فإن الدين لا يذهب من القلوب مرة واحدة، يعني لا تظن أنك في يوم وليلة ستصير كافراً أو مبتدعاً، هي خطوات كما ذكرنا آنفاً خطوات الشيطان. فها هو يؤكد ابن مسعود هذا الأمر يقول: إن الدين — يعني الإيمان والدين المقصود به الإيمان والإسلام — لا يذهب من القلوب مرة واحدة، ولكن الشيطان يُحدث بدعاً وهكذا ينتقل من بدعة إلى بدعة حتى يخرج من الدين، قال: فيخرج الإيمان من قلبه. هكذا يقول ابن مسعود رضي الله عنه.