ترجمة الإمام الألباني رحمه الله ومكانته في علم الحديث
السؤال
الجواب
الشيخ الألباني رحمه الله إمام أهل السنة في زمنه باعتراف كبار العلماء، والذين أيضاً كانوا معه في زمنه والذين قبله سبقوه أثنوا عليه، كمحمد بن إبراهيم آل الشيخ، والشيخ المعلمي رحمه الله. اسمه محمد ناصر الدين، هذا اسمه، اسم مركب، ابن الحاج نوح نجاتي الألباني الأرنؤوطي، من ألبانيا، أصله ألباني، له مدينة معروفة قدرة، هذه المدينة هي التي ولد فيها وعاش فيها، ولد رحمه الله في سنة اثنين وثلاثين وثلاثمائة وألف. هذا العالم، لأن أباه كان من أهل العلم، وكانوا يعدونه عالماً، وكان يدرس القرآن، وكان الشيخ يقرأ عليه ودرس عليه القرآن والتجويد. لما حصل في ألبانيا أن الدولة تغيرت وصارت على طريق العلمانية وتصرح بذلك، ونزعت الحجاب من النساء وطلبت من الرجال أن يلبسوا اللبس الإفرنجي، أخذ عائلته وأسرته وهاجر إلى الشام. فيقول: هذا من فضل الله علي أن أبي أخرجني من تلك البلد إلى الشام، إلى سوريا. وهناك الشيخ تعلم العربية وأقبل على علم الحديث، توفيق من الله من صغره، أحب علم الحديث فاجتهد فيها. أبوه كان قد درس في معاهد علمية ودرس الفقه الحنفي أيضاً، علّم ولده الفقه الحنفي. الشيخ محمد أمان لما ذكرناه بالأمس درس الفقه الشافعي في بلده وكان يدرس كتاب المنهاج للنووي، والشيخ أيضاً الألباني درس الفقه الحنفي، لأنه دائماً أنت لم تدرس إلا فقه البلد كنت صغيراً أو كبيراً. فبعد ذلك لما هاجر إلى الشام وتعلم اللغة وأقبل على علم الحديث، وتأثر ببعض الكتب التي كانت لمحمد رشيد رضا وفيها مباحث حديثية، استفاد رحمه الله كثيراً من هذه المباحث وبدأ ينطلق بعلم الحديث. هل له مشايخ؟ في الحقيقة الشيخ له مشايخ ودرس عليهم وقرأ عليهم لكنهم ليسوا كثُراً، محمد بن راغب الطباخ من أشهر مشايخه الذين قرأ عليهم وأجازوه، وهو الذي كان الشيخ أيضاً يذكره ويثني عليه، وله غيرهم لكن في الحقيقة قليل، ذكروا أيضاً سعيد البرهاني من العلماء الذين درس عليهم في الشام، لأنه رحل من ألبانيا وهو صغير رحمه الله. ثم صار الشيخ بعد ذلك إلى المدينة النبوية ودرس فيها أول ما أُنشئت، أول دفعة من المدرسين كان الشيخ الألباني، اختاره الشيخ ابن باز، كان عمره في ذلك الوقت خمسين سنة، وفي ذلك الوقت كان موجوداً الشيخ عبد الرحمن المعلمي ذهبي العصر. الشيخ المعلمي متى توفي؟ سنة ستة وثمانين وثلاثمائة وألف. والشيخ الألباني درس في الجامعة الإسلامية في أول ما أُنشئت سنة إحدى وثمانين وثلاثمائة وألف. المعلمي في كتابه الأنوار الكاشفة ينص على حديث ويقول: صححه الألباني. طيب، هذا الكلام لو قاله في آخر حياته أو في سنة وفاته سنة ستة وثمانين، كان الشيخ الألباني عمره أربعة وخمسين سنة، والشيخ نفسه المعلمي توفي وعمره ثلاثة وسبعون سنة. انظروا، المعلمي يحيل على الألباني يقول: صححه الشيخ الألباني الأرناؤوطي الألباني الأرناؤوط. هذا يبين أنه في ذاك الوقت والشيخ الألباني إمام يحال عليه، من يحيل عليه؟ أئمة، ذهبي العصر في زمنه يحيل على الألباني، لأنه لو تسمع ثناء الألباني على المعلمي يقول: هذا ذهبي العصر بحق، الشيخ عبد الرحمن المعلمي رحمه الله. أما بالنسبة لطلاب الشيخ وهم كثُر، درس مئات الطلاب في الجامعة الإسلامية وقرأوا عليه، في كل مكان كان يأتي في الحج وفي المدينة ويجتمعون به الطلاب من كل مكان، ما هو طلاب فقط، كان إذا جاء المدينة — وآخر مجيء له للمدينة عام ألف وأربعمائة وعشرة — حضر، وحضر معه كبار العلماء في المدينة، استفادوا منه، كما ذكر لنا من حضر، الشيخ ربيع والشيخ عبد المحسن العباد والشيخ علي ناصر الفقيهي يحضرون مجالس الألباني، يستفيدون ويسألون ويناقشون، وبعضها مسجل، بل كثير منها مسجل. ثم لا تجد عالماً كتب وألف مثل الشيخ الألباني، مؤلفاته كثيرة جداً وهي دقيقة، ألفها بحرص وبعناية، وكان يمكث الساعات الطويلات واقفاً وجالساً في المخطوطات، سواء لما كان في سوريا أو لما انتقل إلى الأردن، وقد صارت معه مكتبة كبيرة تكفيه، فيها من المخطوطات أيضاً الشيء الكبير. كنت التقيت بولده رحمه الله فسألته، قلت له: الوالد في ذاك الوقت متى يدخل المكتبة وكم يبقى فيها ساعات؟ قال: لأكثر الوقت وهو في المكتبة. قلت له: حتى في الليل؟ قال: في الليل يذهب إلى الفراش فينام، قال: فنحن ننام ثم نقوم أحياناً لشرب ماء أو لذهاب الحمام، قال: فنجد المكتبة مضيئة والشيخ في المكتبة، قال: أكثر الوقت وهو في المكتبة. وهذا ما قاله العلماء، قالوا: إذا كان طالب العلم لا يجلس في المكتبة قرابة ستة عشر ساعة لا يكون طالب علم متمكن. عدّ السلسلة الضعيفة، السلسلة الصحيحة، والإرواء، بس هذه لو جمعناها تصل إلى أربعين مجلداً، ثلاث كتب قرابة أربعين مجلداً، غير الأجزاء وهي كثيرة جداً، غير التحقيقات الحديثية وهي كثيرة جداً، غير تحقيق المخطوطات الكتب التي حققها وهي كثيرة جداً، تعليقه على صحيح ابن حبان وهو كثير، المشكاة وهو كذلك آلاف الأحاديث، صحيح الجامع وهو آلاف الأحاديث، والبعث في ثلاث مجلدات وليس فيه البعث المطول، إنما حكم السنن كلها، حكم عليها السنن الأربع، وتطول في سنن أبي داود وخرجت في أحد عشر مجلداً أو أكثر، زد صفة صلاة النبي صلى الله عليه وسلم، الحجاب، الدجال — مرويات الدجال — مرويات الكسوف، تحذير الساجد، خطبة الحاجة له رسالة فيها كذلك، كتاب التراويح وهو صغير أيضاً، وله كتابان في التراويح وفي قيام الليل، وزد إلى ذلك في الكسوف أيضاً له جزء، وفي كتب قد أنسيتها الآن وهي كثيرة، غير المواد المسجلة، الفتاوى آلاف الفتاوى التي هي سلسلة الهدى والنور. الشيخ في بلده لما كان في سوريا أوذي، كما ذكرنا بالأمس أن الشيخ محمد أمان أوذي، لكن مقارنة بالأذية التي حصلت للشيخ، والفرق أن الشيخ محمد أمان عاش في بلاد التوحيد المملكة التي تحترم العلماء، والشيخ عاش في سوريا بلاد الباطنية الفجرة الكفرة، آذوه وسجنوه، وسُجن الشيخ مرتين، مرة سُجن في السجن الذي سُجن فيه شيخ الإسلام: سجن القلعة، وبقي شهراً كاملاً في هذا السجن، ومرة الثانية بعد حرب سبعة وستين سُجن في سجن الحسكة، وهناك اختصر صحيح مسلم، ذكر ذلك في مقدمته لمختصر صحيح مسلم للمنذري، ذكر أنه في السجن اختصر صحيح مسلم لكنه بيّن أنه فقد هذا الكتاب ولم يجده. وأكثر أيضاً من آذى الشيخ طائفتان: السرورية متمثلة في سفر الحوالي الذي آذى أيضاً الشيخ محمد أمان وآذى كثيراً من مشايخنا، وهو من الخوارج، والصوفية وعلى رأسهم حسن السقاف الصوفي الخرافي الجهمي الكذاب الذي يقول: إن ابن تيمية في النار ولن يدخل الجنة، وهذا أنا سمعته منه، عنده مؤلفات فقط يتتبع الشيخ الألباني، والشيخ قد رد عليه وبيّن ضلاله ورد عليه أهل السنة من كل مكان. ولن تجد أحداً اجتهد في أن يقرّب السنة للأمة مثل هذا الإمام، لهذا ابن باز قال: لا أعلم تحت قبة السماء أعلم بالحديث من الشيخ الألباني، وهكذا محمد بن إبراهيم آل الشيخ، وهكذا محمد أمان جامي، كل العلماء، قد ذكرت لكم المعلمي، لو لم يكن إلا ثناء المعلمي عليه والإحالة عليه في تصحيح الحديث لكفى ببيان فضله وعلمه. وعنده ما كان يدعو إليه وسمعناه كثيراً في أشرطته ودروسه وفي مؤلفاته: الدعوة إلى التصفية والتربية، تصفية الدين مما دخل فيه من شوائب وبدع، وتربية الشاب السلفي على هذا الدين الصافي. إلى أن حصل في عام قبل موته بسنة، اختارته المملكة العربية السعودية — وقد قلنا هي تحترم العلماء وتوقرهم — وأعطته جائزة لخدمة السنة، جائزة الملك فيصل رحمه الله، وكنا في المملكة في ذاك الوقت، عام ألف وأربعمائة وتسعة عشر كنا موجودين، وبلغنا أن الشيخ سيأتي لاستلام الجائزة، ففرحنا وقلنا سنلتقي بالشيخ، لكن إن شاء الله أن يعتذر لمرضه، لهذا مات بعد هذه الجائزة بأشهر، بعد أن استلم هذه الجائزة من أرسله، أرسل أحد طلابه، بعدها توفي في سنة عشرين وأربعمائة ألف، وكنا أيضاً في المدينة في شهر جمادى، بعد الشيخ ابن باز بستة أشهر، نفس العام، في أوله في محرم توفي الشيخ ابن باز، وفي جمادى تقريباً جمادى الثانية توفي الشيخ الألباني رحمه الله وغفر الله له، وكان من أشد الناس حرباً على المتعصبة والمقلدة رحمه الله وغفر الله له. قد سمعنا الشيخ ربيع رحمه الله: ألّف كتباً لو اجتمعت دول على تأليف هذه الكتب لما خرجت هذه الكتب كما أخرجها لنا الشيخ الألباني رحمه الله. وبهذا القدر كفاية، وفق الله الجميع لما يحبه ويرضاه.