تفسير قوله تعالى: «وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِدْرِيسَ» في سورة مريم
السؤال
قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِدْرِيسَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَّبِيًّا وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا﴾.
الجواب
إدريس عليه الصلاة والسلام من أنبياء الله، أنزل الله سبحانه وتعالى عليه الوحي، ومدحه وأثنى عليه بالصدق والنبوة، ولم يذكره الله سبحانه وتعالى في القرآن إلا في موضعين، وفي هذين الموضعين قدّم أمامه إسماعيل، في هذا الموضع الذي بين أيدينا ذكر الله إسماعيل: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ﴾، ثم قال: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِدْرِيسَ﴾، وذكره أيضاً في سورة الأنبياء وذكر أيضاً قبله إسماعيل: ﴿وَإِسْمَاعِيلَ وَإِدْرِيسَ وَذَا الْكِفْلِ كُلٌّ مِّنَ الصَّابِرِينَ وَأَدْخَلْنَاهُمْ فِي رَحْمَتِنَا إِنَّهُم مِّنَ الصَّالِحِينَ﴾ عليهم الصلاة والسلام. لماذا سُمّي إدريس بإدريس؟ قالوا: لأنه كان يدرس الوحي الذي أنزله الله عليه، ويُكثر من دراسة هذا الوحي المكتوب، لأنه هو أيضاً أول من خطّ بالقلم، فكان يكتب بالقلم ويدرس ويُكثر الدراسة، فسُمّي إدريس عليه الصلاة والسلام. لهذا لما عُرج برسول الله، أُسري به قبل ذلك إلى بيت المقدس، التقى بالأنبياء وكان ممن التقى به إدريس، وكان إدريس في السماء الرابعة، وأما آدم وهو أبو البشرية على الإطلاق كان في السماء الأولى، ثم عيسى ويحيى وكانوا في السماء الثانية، وأما الثالثة ففيها يوسف، والرابعة إدريس، والخامسة هارون، والسادسة موسى، والسابعة إبراهيم. لما التقى بكل نبي كان يقول: مرحباً بالأخ الصالح والنبي الصالح، وبعضهم يقول: مرحباً بالابن الصالح أو الولد الصالح، لأن آدم هو أبو البشرية كلهم فهو أبونا، فقال لمحمد عليه الصلاة والسلام: الولد الصالح والنبي الصالح. وفي بعض الروايات أن إدريس قال لنبينا عليه الصلاة والسلام: مرحباً بأخٍ ونبي. هذا العلو الذي ذكره الله في القرآن: ﴿وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا﴾، كل الأنبياء رفعهم الله، والمقصود بالرفعة رفعة دنيوية ورفعة أخروية، وفي الجنة يرفعهم في أعلى الجنان، يكون معهم الصدّيقون والشهداء في الدرجات بعد الأنبياء، ولهذا دائماً نحن نسأل الله عز وجل أن يحشرنا مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، أن هذه هي أعلى الدرجات. فهذه الرفعة التي ذُكرت هنا هي المقصود بها ما جاء في حديث الإسراء، رفعه الله في السماء الرابعة عليه الصلاة والسلام، لا كما يقول البعض أن إدريس رفعه الله كما رفع عيسى، هذا غير صحيح، عيسى خصّه الله بشيء لم يخصّ أحداً من الأنبياء بمثل ما خصّ عيسى، وهو أنه رفعه حياً بجسده وروحه، وما زال حياً عليه الصلاة والسلام في السماء الثانية. أما باقي الأنبياء لما التقى بهم رسول الله عليه الصلاة والسلام لم يلتقِ بأجسادهم، أجسادهم في الأرض، لأن الله عز وجل خلقنا من هذه الأرض وأماتنا فيها: ﴿مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى﴾، فيحصل الخروج أيضاً من هذه الأرض كلهم، وأجسادهم في الأرض، حتى رسول الله عليه الصلاة والسلام مدفون في المدينة، إلا عيسى رفعه الله بجسده وروحه، ثم سيُنزله في آخر الزمان وهي من علامات الساعة، ثم بعد ذلك سيموت في الأرض، يتزوج، يحجّ، يعتمر، يقتل الدجال، ثم يموت يصلي عليه المسلمون ويدفنونه عليه الصلاة والسلام. إذن الرفعة المقصودة في هذه الآية هي الرفعة التي ذُكرت في حديث الإسراء، لا كما قال البعض رفعه ثم مات في السماء، وطائفة تقول بل رفعه وبقي حياً في السماء كعيسى، كل هذا غير صحيح ولا دليل عليه، هو مات ودُفن في الأرض، إلا أنه بروحه قد رُفع كما رُفع غيره من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، لهذا كما أشرت قال: «لما عُرج بي رأيت إدريس في السماء الرابعة». كذلك أيضاً في هذه الآيات ختمها الله عز وجل بعد أن ذكر جملة من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، فقال سبحانه: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ﴾. الإشارة هنا بقوله ﴿أُولَئِكَ﴾ أي نبيين يقصد؟ يقصد النبيين الذين ذُكروا في هذه السورة من أولها، سورة مريم ابتدأ الله بذكر زكريا ودعا ربه أن يهبه الولد، وأنه اشتعل رأسه شيباً، ثم ذكر يحيى وأنه آتاه الله الحكمة وهو صبي، وأن الله أنعم على زكريا بيحيى، ثم ذكر الله عيسى…