شرح حديث: الماء طهور لا ينجسه شيء، وفضل نعمة الماء
السؤال
الجواب
بسم الله، والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. أما بعد، فما زال الكلام موصولاً في التعليق على كتاب بهجة قلوب الأبرار للعلامة عبد الرحمن بن سعدي رحمه الله. وقد توقفنا عند الحديث الثاني والعشرين، قال المؤلف عليه رحمة الله: عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الماء طهور لا ينجسه شيء»، رواه أحمد والترمذي وأبو داود والنسائي. هذا الحديث له قصة، وقد جاءوا وسألوا النبي عليه الصلاة والسلام عن بئر، وهذا البئر يلقى فيه شيء من القاذورات أو الخرق، فكأنهم أرادوا أن لا يتوضؤوا منه ولا يستفيدوا من مائه بسبب هذه القاذورات التي تلقى في البئر، فقال لهم عليه الصلاة والسلام: «الماء طهور لا ينجسه شيء»، يعني ابقوا على هذه القاعدة، وهي قاعدة عظيمة: يبقى الماء طهوراً حتى يتغير، فإذا تغير بالنجاسة صار نجساً. وكيف نعرف تغيره؟ إما أن يتغير لونه أو رائحته أو طعمه، فإذا تغير بأحد هذه الأوصاف صار نجساً ما دام أنه قد تغير بنجاسة. وهذا باتفاق العلماء لا خلاف بينهم، كثير من أهل العلم نقل الإجماع والاتفاق كالشافعي وابن المنذر وابن حزم وابن عبد البر، على أن الماء يبقى على طهوريته. ما معنى الطهورية هنا؟ أي أنه طاهرٌ في نفسه مطهرٌ لغيره، فإذا توضأ الإنسان منه أو اغتسل من الجنابة تطهر وارتفع الحدث، سواء كان حدثاً أكبر أو كان هذا الحدث أصغر. إذاً الماء الأصل فيه الطهارة، الماء الذي ينزل من السماء وهو المطر طهور، وهذا بنص كتاب الله: ﴿وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا﴾، ويقول الله: ﴿وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُم مِّنَ السَّمَاءِ مَاءً لِّيُطَهِّرَكُم بِهِ﴾، ماء الأنهار كذلك، ما أيضاً البَرَد والثلج، ماء زمزم، كل هذه مياه طهورة. حتى الماء الذي مكث زمناً طويلاً ثم تغير لم يتغير إلا لطول المكث فقط هو كذلك طهور، ويجوز أن تتوضأ به ما دام أن التغير لم يكن إلا بسبب المكث وطول المكث. وأيضاً حتى الماء المستعمل، هل يجوز لي أن أتوضأ بعد فلان من الناس أي بما بقي من مائه؟ نعم لا بأس. لماذا؟ لأنه لم يتغير، إذن بقي على طهوريته فيجوز أن أتوضأ بالماء المستعمل، فالأصل الطهورية، وكونه لاقى بدناً طاهراً فهو طاهر ولا يتنجس بذلك. وأخطأ من قال إن الماء المستعمل نجس أو أنه لا يجوز الوضوء به، بل يجوز الوضوء به ولو كان مستعملاً. ولا بد أن نعلم أيضاً أننا عندما نبحث في الماء أو نقرأ في الماء لا بد أن ننظر أنه نعمة، بل ونعمة عظيمة، ولا يستطيع الإنسان أن يعيش إلا به، كما قال الله في القرآن: ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾، والمقصود بهذه الآية أي الماء هو الماء الذي نشربه، خلافاً لما قاله بعض المفسرين وهو قول غير صحيح أيضاً أن المقصود بالماء هو ماء الرجل الذي يأتي منه الولد، بل المقصود بهذه الآية الماء الذي نشربه. لهذا نجد الله امتن علينا به فأخرج به من الثمرات رزقاً لكم، كثير من الآيات تبين هذه النعمة وأنها نعمة عظيمة: ﴿مِّنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ﴾، هذا الشراب وهذا النبات وهذا الشجر الذي فيه ترعون أنعامكم ودوابكم، كل هذا من نعمة الله سبحانه وتعالى، يُنبت لكم به الزرع والزيتون والنخيل والأعناب ومن كل الثمرات. هذا الماء لو رفعه الله عز وجل أو أخذه، من سيعوضنا؟ من سيأتي لنا بالماء؟ ﴿أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ أَأَنتُمْ أَنزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنزِلُونَ﴾، المُزن هي السحاب، من الذي سينزله؟ الله. فلو منعه الله سيموت الناس ولن يجدوا شيئاً يشربونه، ﴿لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا﴾ يعني ملحاً شديد الملوحة ﴿فَلَوْلَا تَشْكُرُونَ﴾، اشكروا هذه النعمة وهي نعمة واحدة والنعم كثيرة لا تحصى. وهكذا أيضاً لو جعله الله غوراً، لأن هذا الماء الذي ينزل من السماء ينزل ثم يسكنه الله في الأرض فنستفيد من هذه الآبار ومن هذه العيون، فلو أن الله أخفى هذا الماء الذي في الآبار وأخفى هذا الماء الذي في العيون، من أين سيشرب الناس ومن أين ستشرب الدواب؟ لهذا إذا انقطع الماء همدت الأرض وماتت، وهذا ذكره الله أيضاً في كتابه: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ﴾، وفي الآية الأخرى: ﴿وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً﴾ لكن إذا جاء الماء اهتزت وربت. هذه نعمة عظيمة، إذن الماء يدرس من الناحية الفقهية من حيث الطهارة والطهورية وأقسام المياه والتيمم بعد ذلك، ويدرس أيضاً وهذا أهم: أنه نعمة عظيمة أنعم الله سبحانه وتعالى بها على العباد. ﴿وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا لِّنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَّيْتًا وَنُسْقِيَهُ مِمَّا خَلَقْنَا أَنْعَامًا وَأَنَاسِيَّ كَثِيرًا﴾، الأنعام والناس، أناسي بمعنى الناس، يشربون من هذا الماء، وهذا الماء يصرفه الله كيف يشاء، يمنع هذه البلد ويمنع هذه الأرض، ويفتح الله على هذه الأرض فيعطيها من الماء الكثير فتعيش الناس ويعيش الدواب والأرض، كما قال الله: ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ بَيْنَهُمْ لِيَذَّكَّرُوا فَأَبَىٰ أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا﴾. الواجب أن تتذكر هذه النعمة لا أن تكفر بهذه النعمة، وللأسف هذا موجود، بل بالأمس وأنا أشرب قارورة فيها ماء شركة من الشركات في دولة من الدول، فإذا مكتوب على هذه القارورة: مياه نقية كما أوجدتها الطبيعة. إذن أسندوا النعمة لمن؟ للطبيعة. ما أسندوها إلى الله سبحانه وتعالى، هكذا مكتوب «كما أوجدتها الطبيعة»، وهذا كفر بالله العظيم الذي أوجدك وأوجد الماء وخلق السموات والأرض هو الله. لهذا في الحديبية لما صلى بهم صلاة الفجر عليه الصلاة والسلام، وكان على إثر السماء يعني في الليل جاء المطر، سألهم: «أتدرون ماذا قال ربكم؟» قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: «لقد أصبح من عبادي كافرٌ بي ومؤمن، أما الذي قال: مُطِرنا بنعمة الله» يعني من فضله هو الذي أنزله «فهو مؤمنٌ بي كافرٌ بالكوكب، ومن قال: مُطِرنا بنوء كذا ونوء كذا فهو كافرٌ بي مؤمنٌ بالكوكب». وهؤلاء مؤمنون بالطبيعة هي التي أوجدت الماء، لا يجوز لمسلم أن يعتقد ذلك، فالله هو الرب سبحانه أوجدنا وخلقنا أنعم علينا بالنعم التي لا تعد ولا تحصى، كما قال سبحانه وتعالى في كتابه: ﴿وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾. زد إلى ذلك أيضاً أن هذا الماء به أحيا الله المؤمنين والصالحين والأنبياء وأنجاهم، وبه أيضاً أغرق الكافرين، كما أغرق الله سبحانه وتعالى قوم نوح، وأغرق أيضاً فرعون وجنوده بالماء، وأنجى الله نوحاً بالسفينة على هذا الماء الذي كان كالجبال، وأنجى الله أيضاً موسى عندما قال لأمه: ﴿أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ﴾، يعني ما عليك أنت، افعلي فقط، مع أنه طفل صغير مولود، كيف يلقى في النهر ويلقى في تابوت ويأخذه اليم بالساحل؟ الله سيحفظه بهذا الماء فحفظه الله سبحانه وتعالى. وهكذا أيضاً فرعون كيف أغرقه الله عز وجل بالماء، أوحى الله إلى موسى: ﴿أَنِ اضْرِب بِّعَصَاكَ الْبَحْرَ ۖ فَانفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ﴾، ثم بعد ذلك أمر الله البحر فأغرق الله فرعون وجنوده. وهكذا نجى الله نوحاً بالماء على سفينة عظيمة كانت هذه الأمواج كالجبال ونوح على سفينته، كل هذا بالماء، إذن هي نعمة عظيمة على المسلم أن يتفكر في هذه النعمة. زد إلى ذلك أيضاً أن الله سبحانه وتعالى يقول عن هذا الماء: ﴿وَمَا أَنتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ﴾، ما معنى ﴿وَمَا أَنتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ﴾؟ طائفة من أهل العلم تقول: أي أن الله بيده خزائن الخير، ومن هذا الخير الماء، فهو الذي يعطي وهو الذي يمنع، كما قال في آية أخرى: ﴿وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلَّا عِندَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ﴾، لأن الله لو أعطى الناس النعم كما يريدون لبغى أكثر الناس. وطائفة من أهل العلم تقول: ﴿وَمَا أَنتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ﴾ أي نحن الذين أنزلنا الماء وأسكناه في الأرض فصار في آباره وفي عيونه وتحت الأرض يستفيد منه الناس، وهذا أيضاً في كتاب الله: ﴿فَأَسْكَنَّاهُ فِي الْأَرْضِ ۖ وَإِنَّا عَلَىٰ ذَهَابٍ بِهِ لَقَادِرُونَ﴾، أي من الأرض يستطيع الله عز وجل أيضاً أن يذهبه، كما قال في آية أخرى: ﴿فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الْأَرْضِ﴾. وهذا الماء أيضاً كما أننا أشرنا إلى أنه يدرس من الجهة الفقهية، كذلك يُدرس ويتعلم الإنسان نعم الله سبحانه وتعالى حتى يعرف فضل الله جل في علاه. لهذا السحاب الذي نراه إذا حمل الماء يكون ثقيلاً مع أنك لا ترى ذلك ولا تشعر به، الله ذكر في القرآن هذا وفي عدة آيات، يقول الله: ﴿فَالْحَامِلَاتِ وِقْرًا﴾، حاملات المقصود بها السحاب، ﴿وِقْرًا﴾ يعني تحمل ماءً كثيراً، وجاء ذكر الثقل أيضاً في قوله: ﴿وَيُنشِئُ السَّحَابَ الثِّقَالَ﴾، وفي قوله أيضاً: ﴿حَتَّىٰ إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالًا﴾. إذاً ما معنى الثقل في هذه الآيات؟ أي كثرة الماء الذي تحمله هذه السحاب يسبب لها الثقل. وقد ذكر الله أيضاً وسماه الودق يخرج، بعد أن يؤلف الله جل في علاه: ﴿يُزْجِي سَحَابًا ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَامًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ﴾، كأنه وعاء، ثم الله يأمر فينزل. من الذي يسوق هذه السحاب ويدبرها بأمر من الله؟ هو ميكائيل عليه الصلاة والسلام، هو الذي وُكِّل بالقطر ووُكِّل بالنبات. وبهذا القدر كفاية، وفق الله الجميع لما يحبه ويرضاه، صلى الله على محمد وعلى آله وصحبه.