الرد المفصّل على الشبهة القائلة بأن عائشة تزوجها النبي ﷺ وقد ناهزت العشرين
السؤال
أحسن الله إليكم فضيلة الشيخ، هذا سائل يسأل عن حديث عائشة رضي الله تعالى عنها في الصحيحين أنها تزوجت النبي صلى الله عليه وسلم وعمرها ست سنين ودخل بها وعمرها تسع سنين، زعم البعض أن الصواب أنه تزوجها وقد ناهزت العشرين وأن هذا الحديث مكذوب ولو كان في الصحيحين، فما ردكم على ذلك وجزاكم الله خيراً؟
الجواب
ما زال أهل البدع وأهل الضلال يعترضون على الأحاديث الصحيحة، أحاديث النبي عليه الصلاة والسلام، ولا زال هؤلاء للأسف الشديد منذ القدم، وهم يتوارثون هذه المعارضات الباطلة التي استوردوها من الغرب أو من النصارى أو من أهل الضلال والباطل، لأن النصارى أيضاً من الذين أثاروا هذه الشبهة، طائفة كافرة بالدين اتخذت بعض الأحاديث في الصحيحين أو في أحدهما مطية لإثارة الشبهات عند أهل الإسلام، فجاء هؤلاء أهل الضلال من الخرافيين ومن العقلانيين ممن ينتسبون إلى الإسلام وأثاروا هذه الشبهات على أحاديث الصحيحين أو أحاديث أحدهما. هذا الحديث، حديث عائشة، هو في الصحيحين وهو حديث مشهور لا غبار عليه، وما زال المسلمون يتلقون هذا الحديث ويشرحونه وينشرونه ولم يعترض عليه أحد من أهل الإسلام، أي من العلماء العارفين الراسخين ولا من طلابهم ولا ممن عرف السنة ودرس السنة. ولهذا ما أجمل ما قاله ابن عبد البر رحمه الله في كتابه الاستيعاب، ذكر زواج النبي عليه الصلاة والسلام وأنه دخل بعائشة وهي ابنة تسع، ثم قال: «لا أعلمهم اختلفوا في ذلك»، يعني المسألة مجمع عليها، لا خلاف بين أهل الإسلام، العلماء الراسخين أهل التخصص لم يختلفوا. ومثله ابن كثير، فإنه أيضاً نقل الاتفاق في كتابه البداية والنهاية، أنه تزوجها وهي ابنة ست ثم بنى بها وهي ابنة تسع. والحديث كما أشرت في الصحيحين، فيه أن النبي عليه الصلاة والسلام تزوج عائشة وهي ابنة ست سنين، ثم ذكرت رضي الله عنها ما يتعلق بمقدمها إلى المدينة وكيف أنها قد بلغت تسع سنين وهيئت للدخول على رسول الله عليه الصلاة والسلام، ثم دخل عليها عليه الصلاة والسلام وهي ابنة تسع سنين. ونحن نقول لهؤلاء ولأمثالهم سواء ممن أثار هذه الشبهات كالنصارى وأيضاً ممن ينتسب إلى الإسلام، بعضهم من الكتّاب والمفكرين، يعني عباس العقاد وشوقي ضيف، كُتّاب كتبوا كتابات تتعلق بالإسلام، وبعضهم ألّف في السيرة، لما جاء إلى هذا قال: هذا لا يقبله عقلي، لماذا لا يقبله عقلك؟ قال: لا يصلح أن يتزوج النبي عليه الصلاة والسلام بنتاً صغيرة، وبعضهم قد يعبر بقوله: طفلة صغيرة قد بلغت التسع سنوات كيف يكون ذلك؟ وللأسف جاء من ينتسب أيضاً للإسلام من الكتّاب كبعض المصريين كإسلام بحيري وأيضاً سهيلة زين العابدين التي هي عضو في الاتحاد العالمي، كتبت كتابات في ذلك، كل هذه الكتابات بُنيت على باطل وما بُني على باطل فهو باطل. يقال لهؤلاء: ما يتعلق بالبلوغ يختلف من مكان إلى مكان، ويختلف من زمان إلى زمان، ويختلف من فئة إلى فئة، وهناك كما ذكر العلماء المتخصصون ما يتعلق بالعوامل: التغذية والمناخ وكذلك حتى القبيلة التي ينتسب إليها والناس الذين ينتسبون إلى هذه القبيلة، وهذا معروف حتى إلى يومنا هذا، من الناس من الكفار ومن غيرهم تبلغ البنت عند الثامنة وقد تبلغ عند التاسعة وقد تبلغ عند العاشرة، وما زال الكتّاب يكتبون في ذلك ويثبتونه، ولا ينكره إلا من لا عقل له لأنه ينكر واقعاً وينكر حقيقة. فلماذا عندما جاؤوا إلى حديث عائشة أنكروه؟ ليس زواج النبي عليه الصلاة والسلام بعائشة أمراً عجيباً، كثير من الزواجات تمت لفتيات كعائشة حتى في زمننا هذا قد تبلغ البنت وتصير امرأة وعمرها تسع سنوات، فما الغريب في ذلك؟ فهل يعقل أن آتي إلى حديث في الصحيحين يثبت أن النبي عليه الصلاة والسلام تزوج عائشة وعمرها تسع وأرده بعقلي مع أن الواقع يوافق الحديث؟ وقد ذكرت في سؤالك أن عائشة ناهزت العشرين، هذا غير صحيح ولا دليل عليه. وللأسف أن الذين ردوا هذا الحديث وهو في الصحيحين اتكأوا على أثر رواه ابن عساكر في تاريخ دمشق وهو من قول عبد الرحمن بن أبي الزناد. ماذا فيه هذا الأثر؟ يذكرون أن عائشة، ومعروف أن أسماء بنت أبي بكر الصديق أخت عائشة وهي أختها من أبيها، قالوا: إن الفارق في السن بين عائشة وأسماء عشر سنوات، وأسماء تكبر عائشة بعشر سنوات، وأسماء عندما هاجرت — عندما بُعث النبي عليه الصلاة والسلام كان عمر أسماء أربع عشرة سنة — قالوا: إذن هذا دليل على أن عائشة كان عمرها أربع سنوات، كان عمرها أربع سنوات عند البعثة، يعني لما هاجر النبي عليه الصلاة والسلام بعد عشر سنوات إذاً عائشة قد بلغت أربع عشرة سنة، ثم هاجرت إلى المدينة وتزوجها وقد بلغت ثماني عشرة سنة. ما دليلكم؟ قالوا: لأن أسماء كانت تكبر عائشة بعشر سنين. من أين لكم أن أسماء كانت تكبر عائشة بعشر سنين؟ ما الدليل على ذلك؟ هل هذا يوجد في الصحيحين أو يوجد في السنة الصحيحة؟ قالوا: هذا موجود في تاريخ دمشق لابن عساكر. إذا رجعنا إلى تاريخ دمشق لابن عساكر وننظر في إسناد هذه القصة أو إسناد هذا القول، سنجد أنه من طريق عبد الرحمن بن أبي الزناد. فإذا نظرنا في عبد الرحمن بن أبي الزناد ونظرنا في ترجمة العلماء له، سنجد أنه ضعيف ومضطرب الحديث وليس هو ممن يحتج به، وقد ضعفه جمع من المحدثين كابن مهدي وأبي زرعة الرازي ويحيى القطان وابن معين وأحمد بن حنبل وفلان وفلان، وهذا موجود في كتب الجرح. فسبحان الله، كيف يردون ما جاء في الصحيحين الذي أجمعت الأمة على صحتهما، ويلجؤون إلى تاريخ ابن عساكر بأسانيد ضعيفة لا تصح؟ وفي القصة، في القصة أن ابن أبي الزناد هو الذي قال: «وكانت عائشة، وكانت أسماء أكبر من عائشة بعشر سنين»، حتى لو كان ابن أبي الزناد ثقة وحافظاً لما قبلنا منه ذلك. متى توفي ابن أبي الزناد؟ توفي سنة أربع وسبعين ومئة، يعني لا التقى بعائشة ولا التقى بأحد من الصحابة، فكيف يقال إنه يقبل قوله ونرد ما جاء في الصحيحين؟ فهذه هي أقوى شبهة لهم تتعلق بسن عائشة وأن أسماء كانت تكبرها بعشر سنين، وهذا باطل وغير صحيح، بل الصواب أن يقال إن أسماء ولدت قبل البعثة بست أو خمس سنوات، وعائشة كان عمرها في ذلك الوقت بعد البعثة رضي الله عنها بعد بعثة النبي عليه الصلاة والسلام بأربع سنوات ولدت عائشة، هذا هو الصواب الذي لا شك فيه ويوافق ما جاء في الصحيحين. فهذه أقوى شبهة وهذا هو الرد عليها، لأنهم اتكأوا على شيء غير صحيح وباطل، وما في الصحيحين لا يقدم عليه، وهو يثبت أيضاً ما في واقعنا اليوم في كثير من البلدان أن البنت قد تبلغ في سن التاسعة. وبهذا القدر نكتفي، صلى الله على محمد.