حديث لطم موسى لملك الموت والرد على منكريه
السؤال
ما الجواب عن الحديث: أن ملك الموت لما جاء إلى موسى ليقبض روحه لطمه ففقأ عينه؟
الجواب
هذا في الصحيحين، ملك الموت أُرسل إلى موسى حتى يقبض روحه، لما جاء إليه ورآه موسى وهو في صورة آدمي - جاء على صورة إنسان - صكّه موسى ففقأ عينه. نعم هذا الذي حصل وهو في الصحيحين. فماذا قال ملك الموت عندما رجع إلى ربه؟ قال: «يا رب أرسلتني إلى عبد لا يحب الموت ولا يريد الموت». فالله عز وجل أمر هذا الملك بأن يرجع إلى موسى ويقول له: قل لموسى يجعل يده على ظهر ثور، فبعدد هذه الشعرات يعيش - ومعروف أنك لو وضعت يدك على ظهر ثور ستكون شعرات كثيرة جداً قد تصل إلى عشرات السنوات. فلما موسى بلغه ذلك وسمعه قال: أي رب فما يعني بعد ذلك السنوات الكثيرة ماذا سيحصل؟ قال: الموت. قال: الآن إذن. فقبض ملك الموت روحه. هذا الحديث بعض الزنادقة والملاحدة وللأسف حتى بعض الكتّاب الذين ينتسبون للإسلام كالغزالي ومصطفى محمود وبعض المصريين أنكروه وردوه، بل كان بعضهم يسخر من هذا الحديث. ما الذي جعلهم يردون هذا الحديث؟ قالوا لعدة أمور: الأمر الأول: أن هذا الحديث كيف موسى يفقأ عين الملك، الملك معصوم، فلماذا حصل أن موسى يفقأه؟ نحن لا نقبل هذا، الفقأ يحصل لرجل عاص أو يحصل لرجل ظلم أو فجر، أما ملك معصوم ويأتي موسى ويفقع عينه قالوا هذا لا نقبله. الجواب عن ذلك أن موسى عليه الصلاة والسلام لما جاءه ملك الموت هو لا يعرف أن هذا ملك الموت، هو يظنه رجل جاء يريد أن يقبض روحه. وهذا معلوم في كتاب الله أن الأنبياء أحياناً لا يعرفون أن من يخاطبهم أو من جاء إليهم هو من الرسل الذين أرسلهم الله يعني من الملائكة. لهذا لما جاء الضيوف إلى إبراهيم ما كان يدري أنهم ملائكة، فلما رأى أيديهم لا تصل إليه نكرهم وأوجس منهم خيفة، قرّب لهم عجلاً حنيذاً ما أكلوا، فعجب من ذلك واستنكر لماذا لا يأكلون، فعلم بعد ذلك أن هؤلاء رسل من الله وهم ملائكة على صورة بشر جاؤوا حتى يخبروه أنه سيذهب إلى قوم لوط وسيفعل بهم من العذاب ومن قلب هذه المدينة. وهكذا لوط نفسه لما جاؤوه الملائكة ما عرف، قال: ﴿يا قوم هؤلاء بناتي هن أطهر لكم فاتقوا الله ولا تخزون في ضيفي أليس منكم رجل رشيد﴾، فظن أن هؤلاء الضيوف فأكرمهم وهم ملائكة، ثم أخبروه وأمروه بالخروج. وحتى داود عليه الصلاة والسلام لما دخل عليه الخصمان ففزع منهم ما كان يعرف أنهم ملائكة قالوا: لا تخف خصمان بغى بعضنا على بعض. وهكذا موسى لا يعرف أن هذا ملك من الملائكة جاء على صورة إنسان ويريد أن يقبض روحه، فموسى صنع به ما صنع. وعلى هذا العلماء رحمهم الله كابن خزيمة والخطابي والمازري كل هؤلاء قالوا إن موسى لم يعلم أن هذا ملك من الله سبحانه وتعالى. الأمر الثاني: قالوا أليس الأنبياء يحبون لقاء الله ويشتاقون فلماذا رفض موسى الموت؟ والجواب: هو نفسه، موسى عليه الصلاة والسلام لم يعرف أن هذا ملك ولا علم أيضاً أن هذا جاء لقبض روحه من الله، إنما ظن أنه رجل وجاء وقال ما قال. كذلك أيضاً استدلوا بقول الملك عندما قال: «أرسلتني إلى عبد لا يريد الموت»، قالوا إذن موسى ما كان يريد الموت ولا أحب لقاء الله سبحانه وتعالى. وهذا كلام باطل وغير صحيح، بل موسى يحب أن يلتقي بالله ويشتاق إلى ذلك. والدليل أنه لما قال: ضع يدك على ظهر الثور وعش بعد ذلك ما شئت من هذه السنوات، هل موسى لو كان يحب الحياة والدنيا سيترك هذا الأمر وإلا سيأخذ به ويعيش؟ رفض هذا الأمر وما أخذ به وقال: الآن، لأنه يحب لقاء الله ويشتاق إلى الله عز وجل، فرفض أن يعيش هذه السنوات وهي كثيرة، وهذا دليل على أنه يحب وفي قلبه عظمة ورغبة للقاء الله سبحانه وتعالى. وهكذا الرسل وهكذا عباد الله يحبون لقاء الله سبحانه وتعالى. لكن قال العلماء قول الملك عندما قال: «أرسلتني إلى رجل يريد الدنيا - أو لا يريد الموت»، قالوا هذا اجتهاد من الملك هكذا ظن الملك. وهذا يذكرنا لما أمر الله أو أخبر الله الملائكة أنه سيجعل في الأرض خليفة، ماذا قالوا؟ ﴿أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك﴾، قال: ﴿إني أعلم ما لا تعلمون﴾، فبيّن أن هذا كان اجتهاد من الملائكة عليهم الصلاة والسلام. لهذا لما تحقق موسى أن هذا من الله وأنه ملك وأنه ملك الموت وأنه سيقبض روحه قال: الآن، فرضي بذلك صار عليه الصلاة والسلام يختار الموت ولقاء الله سبحانه وتعالى. لكن قد يقول قائل: لماذا الملك وهو ملك لم يقبض روح موسى وينصرف بعد ذلك؟ لأنه لما جاء إليه فضربه في عينه وفقأ عينه بهذه الصكة رجع عاد إلى الله، أليس هو مأمور من الله فلماذا لم يقبض، لأنه أُرسل ليقبض هذه الروح ثم ينصرف؟ قالوا لأن هذا الملك يعرف أن من خصائص الأنبياء أنهم يخيرون: هل تريدون البقاء في الدنيا إلى قيام الساعة - الخلد - والجنة، أم تحبون لقاء الله؟ فما من نبي إلا خُيّر، وهذا في الصحيحين من حديث عائشة، حتى النبي عليه الصلاة والسلام اختار - أو خُيّر - فاختار ماذا؟ اختار الموت ثم لقاء الله ثم الجنة. لهذا ملك الموت تركه ولم يقبض روحه فظن أن هذا من موسى اختيار لبقائه إلى يوم القيامة. إذن هذا لا إشكال فيه. مع أن هؤلاء حقيقة عندهم إشكال مع السنة، هؤلاء العقلانيون ليس عندهم إشكال في القرآن، إذا ورد شيء من ذلك. أليس في القرآن لما جاء موسى ووجد بني إسرائيل عبدوا العجل ألقى الألواح وأخذ برأس أخيه يجره إليه؟ طيب هارون رسول ونبي، لو أنك أنت جئت إلى رسول ونبي وسحبته من رأسه ومن لحيته هذا خطير أن تفعل هذا بنبي من الأنبياء. فهم الآن لو نظرنا إلى القصتين بينها تشابه، والله عذر موسى هنا وهنا، لكن لأن هذا جاء به القرآن قبلوه. فقال: ﴿يا ابن أم لا تأخذ بلحيتي ولا برأسي إن القوم استضعفوني وكادوا يقتلونني فلا تشمت بي الأعداء﴾، فإذا بهم يقبلون هذه القصة في القرآن ولا يقبلون ما جاء في السنة لأن عندهم إشكال في السنة، عقلانيون في السنة، أما القرآن لأنهم متواتر يسكتون. فالقوم عندهم إشكال كبير فيما يتعلق بسنة النبي عليه الصلاة والسلام. نعم.