خطبة في تفسير: ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق ولا تقربوا الزنا
السؤال
الجواب
بسم الله، الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. أما بعد، فيقول الله سبحانه وتعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ ۖ نَّحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ ۚ إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئًا كَبِيرًا﴾. هذه كانت من البلايا والمصائب عند الجاهليين، فقد كانوا يقتلون أولادهم بسبب الفقر، وفي المقابل أيضاً كانوا يدفنون البنات من أجل العار والخزي، وكل هذا من صنيع الجاهليين. حذّر الله منه ونهى عنه سبحانه، لأن قتل النفس كبيرة من كبائر الذنوب، فكيف إذا كان من أجل أن يأكل معك فتخشى على الطعام والشراب منه فتقتله؟ لأن الله يقول في هذه الآية ﴿خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ﴾ يعني خشية الفقر. وفي الصحيح في البخاري وفي مسلم مما ذكر النبي عليه الصلاة والسلام أكبر الكبائر: ذكر الشرك ثم قال: «أن تقتل ولدك خشية أن يطعم معك»، يعني هذه أيضاً من أكبر الكبائر بعد الشرك، أنك تقتل نفساً ويكون الداعي لقتلها أنك تخشى على طعامك وشرابك فتتخلص من أقرب الناس إليك. وكذلك يقتلون البنات، لماذا يقتلون البنات؟ لأنها عندهم عار وخزي، كما قال الله: ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُم بِالْأُنثَىٰ ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ يَتَوَارَىٰ مِنَ الْقَوْمِ مِن سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ ۚ أَيُمْسِكُهُ عَلَىٰ هُونٍ﴾ يعني على عار وخزي يتركها ويربيها ﴿أَيُمْسِكُهُ عَلَىٰ هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ﴾. لهذا قال الله: ﴿وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ بِأَيِّ ذَنبٍ قُتِلَتْ﴾، هذه هي الموؤودة يقتلونها في صغرها ويدفنونها. إذاً هم لا يحبون ولا يتشرفون أن تكون لهم بنات، لكن من عقائدهم أن الله له ولد، بل جعلوا الملائكة بنات الله، فانظروا إلى هذا التناقض العجيب: يحذّرون ويرون أن هذا عار وهون وكيف يمسكها وهي بنت ثم يدسها في التراب، ومن عقائدهم كفار قريش ومن معهم أن الملائكة بنات الله، فنسبوا لله ما هم منه يتبرؤون، وهذه من أخبث العقائد ومن أبطلها أن تنسب لله ولداً أو أن تقول لله صاحبة، وهو سبحانه ما اتخذ لا صاحبة ولا اتخذ ولداً ولا يحتاج إلى ذلك سبحانه. ولهذا قال الله: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَٰنُ وَلَدًا لَّقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا أَن دَعَوْا لِلرَّحْمَٰنِ وَلَدًا﴾، أمرٌ عظيم، إدّ يعني عظيم، كيف تنسبون لله الولد؟ ﴿إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئًا كَبِيرًا﴾ يعني كان ذنباً عظيماً، وفي قراءة أيضاً: «كان خطأً»، والمعنى واحد، ذنب كبير عظيم أنك تقتل هذا الولد أو هذه البنت أو هذا الذكر من أجل الطعام ومن أجل الشراب. قال: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَىٰ ۖ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا﴾. الزنا من كبائر الذنوب، وأيضاً هي من أقبحها، لأن فيه اختلاط الأنساب، فلا تدري هذا ابن من، هل ينسب لفلان أو لا ينسب لفلان. ولهذا قال عليه الصلاة والسلام: «لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن»، ينزع الله سبحانه وتعالى منه الإيمان عند هذه الكبيرة وهذا الذنب العظيم. والعجيب أنك تعرف جيداً وتتيقن أنك لا ترضى الزنا لأختك ولا ترضى الزنا لأمك ولا لعمتك، لكنك ترضاه للناس وترضاه لبنات الناس، وهذا من أعجب العجائب. ولهذا جاء في مسند الإمام أحمد بإسناد صحيح أن رجلاً جاء إلى النبي عليه الصلاة والسلام قال: يا رسول الله ائذن لي في الزنا، حتى همّ الصحابة بزجره ونهره، فقال: «دعوه»، فقال: «ادنُ مني»، يعني كن قريباً مني، فقرب، قرب إلى النبي عليه الصلاة والسلام، سأله سؤالاً قال: «هل ترضاه لأمك؟ ترضى أن أحداً يزني بأمك؟»، جعلني الله فداك يا رسول الله لا ما أرضاه. من الذي يرضى الزنا لأمه؟ تعرف أن أمك تزني تأخذك الغيرة تموت من الحسرة. قال: لا جعلني الله فداك يا رسول الله. «ترضاه لأختك؟ ترضاه لعمتك؟ لخالتك؟»، وهو يقول: لا جعلني الله فداك يا رسول الله. فبعد، لماذا قال له: «ادنُ»؟ يريد أولاً أن يخاطبه بشيء لا يسمعه الباقون كلهم، ثانياً يريد أن يدعو له، فدعا له بأن يكف الله عز وجل شهوته وأن يحصن فرجه، بعد أن وضع يده على صدره عليه الصلاة والسلام. إذاً هذه من بلايا الزنا. ولهذا لما كان أمره عظيماً، وأشد من ذلك أن يزني الرجل وهو متزوج، لأن حده في ذلك القتل يُرجم بالحجارة حتى يموت، وأشد من ذلك أن يزني الرجل بزوجة جاره، هذه من أكبر المصائب في الزنا، لأن الزنا حرام كبيرة لكن فيهما هو أشد حرمة. فأشد حرمة أنك تزني وأنت متزوج، أنعم الله عليك بزوجة وأنعم الله عليك بأنك تأتي هذه الزوجة متى ما شئت، وأشد من ذلك أن تزني بزوجة جارك، حليلة الجار. هذا قال عليه الصلاة والسلام في الحديث نفسه الذي ذكرناه آنفاً عندما ذكر الشرك، لأن الصحابي يسأله: أيُّ الذنب أعظم؟ قال: «أن تجعل لله نداً وهو خلقك»، ثم أيُّ؟ قال: «أن تقتل ولدك خشية أن يطعم معك»، ثم أيُّ؟ قال: «أن تزني بحليلة جارك»، يعني بزوجة جارك. وجاء خارج الصحيح أن الزنا بزوجة الجار كعشر زنيات، كأنك زنيت عشر مرات، لأن هذه خيانة، أنت في محل ائتمان جارك يأمنك، يقول: هذا جاري ويعرفني وأعرفه ويحسن إليّ وأحسن إليه، فيأتيك الخيانة من جهتي ومن حيث لا يدري أو لا يحتسب وأنت تأمن هذا الجار، فتكون هذه هي الكارثة العظيمة. في البرزخ أي من عذاب القبر رأى النبي عليه الصلاة والسلام في منامه رؤيا، وهذه الرؤيا وحي لأن رؤى الأنبياء وحيٌ من الله، فكان يريه الله عز وجل كيف يُعذب أهل الذنوب والمعاصي في القبر في البرزخ، ومعه رجلان في الرؤيا يقولان له: انطلق انطلق، كلما رأى شيئاً يقول له: انطلق، يعني بعد ذلك سنفسر لك ما تراه. فمر بأناس هم أشد الناس انتفاخاً وأنتن رائحة، حتى جاء في الرواية قال: ريح أشد من ريح المراحيض، فسأل عنهم: من هؤلاء؟ فقال: هؤلاء الزواني والزانيات. وفي بعض الروايات أنهم كانوا في تنور كبير يسمع صراخهم، قال: من هؤلاء؟ فلما فسروا له قالوا: الزانيات والزواني. إذاً هذه كلها من كبائر الذنوب وهي عظيمة. وكذلك أيضاً من يكون ذنبه أعظم في الزنا: الشيخ الكبير الهرم الزاني، فهذا أيضاً ذنبه أعظم لأن دواعي الزنا في حقه قليلة، فهو كبير وشيخ وشهوته أقل وأضعف، ومع كونه شيخاً وهرماً وكبيراً وهو يزني فهذا أيضاً من أعظم الذنوب الزنا. قال: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ﴾، هذا غداً إن شاء الله، وبهذا القدر كفاية، وفق الله الجميع لما يحبه ويرضاه، صلى الله على محمد وعلى آله وصحبه.