إعذار أصحاب السوابق العظيمة وقصة حاطب بن أبي بلتعة
السؤال
في إعذار الأخ صاحب السابقة وأهل المنازل العظيمة، وقصة حاطب بن أبي بلتعة في الصحيحين.
الجواب
لأن الإنسان إذا كان في منزلة كبيرة وله سابقة عظيمة يتجاوز عنه في هذه الأمور، هل تريدون منا أن نعامل العالم كأي طالب علم؟ ما يمكن. لهذا حاطب بن أبي بلتعة صحابي شهد بدراً، وأهل بدر في الجنة مغفور لهم وهم أفضل المسلمين، وشهد الحديبية وأهل الحديبية الذين بايعوا تحت الشجرة رضي الله عنهم وهم في الجنة، شهد أمرين عظيمين كبيرين وهي من أعظم الحسنات. لكن شاء الله عز وجل في فتح مكة خشي على ماله، خشي على ذريته وأولاده، فكتب لأهل مكة كتاباً أن محمداً سيأتيكم. لأن الرسول عليه السلام كان يتجهز لغزو مكة وجهّز جيشاً، لكنه كان يُوري — وهذه كانت عادته في الغزوات — ما معنى يوري؟ يظهر للخصم أنه سيذهب إلى الشمال مثلاً وهو سيذهب إلى الخصم في الجنوب، هذا معنى التورية، فكان يفعل ذلك، فأهل مكة ما كانوا يعرفون. فكتب حاطب كتاباً وأرسله مع امرأة، ووضعت هذا الكتاب في شعرها ثم مشت إلى مكة، في الطريق أول ما خرجت من المدينة في منطقة قريبة من المدينة يقال لها روضة خاخ، جاء الوحي إلى رسول الله عليه الصلاة والسلام أن حاطباً كتب وأرسل مع المرأة، فأرسل النبي عليه الصلاة والسلام أربعة من الصحابة قال: «أدركوها، وهاتوا الكتاب». فذهبوا وجاؤوا بالكتاب، مع أنهم فتشوا وفتشوا ولم يجدوا شيئاً، ثم بعد ذلك أرادوا الرجوع، فقال علي: لا والله لا نرجع، الكتاب معكِ كما أخبرنا النبي عليه الصلاة والسلام، لتخرجن الكتاب أو لنلقين الثياب، لأنهم فتشوا في متاعها وفي رحلها ما وجدوا شيئاً، فعرفوا أنها تخبئ الكتاب في جسدها، فلما علمت أن علياً جادٌّ في قوله، خشيت المرأة وخافت، فاضطرت إلى أن تعترف، فقالت: أشيحوا عني وجوهكم، يعني انظروا إلى هنا، حتى تفتح شعرها وجلبابها وتخرج هذا الكتاب، فأخرجت الكتاب من عقاصها وأعطت الكتاب لعلي بن أبي طالب، ثم ذهبوا به إلى رسول الله. لما قرأ الكتاب النبي عليه الصلاة والسلام فيه ما يتعلق بإخبار قريش، هذا الأمر أليس خطيراً؟ هذا خطير، وهي سيئة، حتى قال العلماء بهذا الحديث يستدلون به ويبوّبون عليه، منهم أبو داود في السنن «باب ما جاء في الجاسوس». من هو الجاسوس؟ هو الذي ينقل أخبار المسلمين للكفار. فالنبي عليه الصلاة والسلام ماذا صنع مع رجل شهد بدراً وشهد الحديبية؟ ناداه كما في الصحيحين: «تعال يا حاطب، ما حملك على هذا يا حاطب؟»، وهذا فيه تعليم لنا وأدب، الأخ قد يخطئ، أليس كذلك؟ قد يزل، قد ينقل عنه سوء، ألا ينبغي لنا أن نذهب إليه: يا فلان ما حملك على هذا؟ اسمع منه، قد يكون له عذر. وهذه القصة هي الدليل، ما قال النبي عليه السلام: حاطب فعل هذا إذاً تجسس ونقل أخبارنا، إذن هذا يُقتل، لأن العلماء اختلفوا، هل الجاسوس يُقتل أو لا يُقتل؟ مسألة خلافية مشهورة بين الفقهاء والعلماء، فقالوا: النبي عليه الصلاة والسلام استدعاه: «ما حملك على هذا يا حاطب؟»، قال: يا رسول الله والله ما فعلت هذا عن ردة ولا عن رضا بالكفر، إنما خشيت على أموالي، وقريش المهاجرين الذين معك عندهم هناك قبيلة تحميهم، عندهم أناس من أبناء عمومتهم، أنا لا يوجد لأحد في مكة، فخشيت على مالي وأولادي، فكتبت هذا الكتاب حتى لا تتأذى أموالي وأولادي. عمر كان موجوداً وسمع هذا النقاش، فأخذته الغيرة على دين الله، واستنكر هذا الفعل ورآه كبيراً، فقال: يا رسول الله دعني أضرب عنق هذا المنافق. طائفة من أهل العلم استدلت بقول عمر على أن الجاسوس يُقتل بقوله: «دعني أضرب عنقه»، قالوا: لأن الرسول ما أنكر عليه، فسكت النبي صلى الله عليه وسلم، إذن هذا دليل أن الجاسوس يُقتل. والصحيح أن النبي عليه الصلاة والسلام أنكر عليه، كيف أنكر عليه؟ قال: «يا عمر إن الله قد اطلع على أهل بدر»، وهذا من أهل بدر، حاطب بن أبي بلتعة، وقال: «اعملوا ما شئتم قد غفرت لكم». وليس معنى «اعملوا ما شئتم» أنكم تعصون الله وتكفرون، لا، ليس هذا، لأن حاطباً ما كفر ولا وقع في الكفر كما يقول التكفيريون، هم الخوارج التكفيريون والخوارج يكفرون أهل السنة بهذا الحديث، كيف يكفّرون أهل السنة؟ يقولون: أنتم لم تكفّروا الحكام إذن أنتم كفرة، الحكام يوالون الزنادقة ويوالون الغرب ويوالون كذا وكذا من الدول الكافرة وأنتم سكتم عنهم، إذن أنتم كفار والحكام كفار كلكم كفار، والدليل حديث حاطب لأن حاطب كَفَر، انظروا هكذا يقولون، حاطب وقع في الكفر لكن لأنه من أهل بدر الله تجاوز عنه. هل يعقل أن يقال في رجل كفر ولأنه حضر بدراً صار مؤمناً؟ الكفر يحبط العمل، لا يبقى شيء، لن ينفعه لا بدر ولا غير بدر، ﴿وَمَن يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ﴾. حاطب ما كفر ولا وقع في الكفر وحاشاه. لكن ما هو الفعل الذي فعله حاطب؟ وقع في أمر، وهي سيئة، لهذا انظروا إلى تعبير العلماء، شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم وكثير من المحققين ماذا قالوا؟ قالوا: إن حاطباً وقع في سيئة ولا شك في ذلك وهذا خطأ، لكن عنده حسنة كبيرة وهي مشاركته في غزوة بدر، وعنده حسنة أخرى أيضاً عظيمة وهي كونه مع رسول الله في الحديبية، وقد رضي الله عن المؤمنين الذين بايعوا تحت الشجرة، غمست هذه السيئة وهي قضية الكتاب في هذه الحسنة الكبيرة، فتجاوز عنه النبي عليه الصلاة والسلام وذكّر عمر بقوله: «لقد اطلع الله على أهل بدر وقال: اعملوا ما شئتم قد غفرت لكم». لهذا تاب وأبدى عذره، فعذره النبي عليه الصلاة والسلام. لهذا ماذا صنع عمر؟ بكى، علم عندما قال «دعني أضرب عنق هذا المنافق» أنه قال قولاً ما كان ينبغي له أن يقوله، قال: فبكى عمر واغرورقت عيناه يعني بالبكاء وقال: الله ورسوله أعلم. إذن هذا دليل على رجوع عمر عن عبارته، لأن قوله «منافق» لم يكن حاطب منافقاً، لكن عمر عندما رأى أنه راسل الكفار وكتب للكفار ظن أنه قد ارتد أو كَفَر أو صار منافقاً. وهو نفسه حاطب يقول: والله يا رسول الله ما فعلته عن نفاق ولا ردة ولا رضا بالكفر. ويؤكد ذلك خارج الصحيح عند أهل السير أنه لما كتب الكتاب ماذا كتب فيه؟ قال: «بسم الله الرحمن الرحيم، من حاطب بن أبي بلتعة، إن محمداً عليه الصلاة والسلام قد تجهز بجيش، وإنه سيأتيكم، وإن هذا الجيش كالليل، يعني كبير طويل عريض، سيأتيكم، ولو جاءكم محمد عليه الصلاة والسلام وحده لنصره الله عليكم». هذا كلام مؤمن أو كلام منافق؟ كلام مؤمن، يقول: لو جاءكم وحده فقط الله سينصره عليكم، وأنتم قريش وأنتم بجمعكم وحديدكم سينصره الله عليكم. قالوا: إذن حاطب رضي الله عنه فعل هذا الأمر لشيء دنيوي، لأن ما يتعلق بموالاة الكفار، لو أن رجلاً والى الكفار لأن هذا نوع من الموالاة يُنظر فيه، هذه الموالاة لماذا والاهم؟ حاطب بيّن عذره، ليس عن كفر ولا ردة ولا محبة لدين المشركين، فعلَه من أجل دنيا، ما هي الدنيا هنا؟ أولاده وماله. من فعل هذا من أجل دنيا لا يكفر، والدليل قصة حاطب. لكن لو أن رجلاً والاهم كتب لهم أو عاونهم وهو يريد أن ينتصر الكفار على المسلمين، هل هذا مسلم؟ هذا كافر، هنا يأتي الكفر، لا كما قال الخوارج والتكفيريون أهل بدعة وضلالة وجهل. لا بد أن نفرق في الموالاة بين من والى. الموالاة، أيش معنى الموالاة أصلاً؟ معناها نصرة، توالي الكفار يعني تنصرهم، لو نصرتهم من أجل دنيا ومال لا تكفر، لكن نصرتهم وأنت تعتقد أنهم لو انتصروا على المسلمين هذا أفضل، أريد أن ينتهي دين المسلمين، أريد أن يعلو دين الكفار، هذا مشرك خرج من دائرة الإسلام إلى دائرة الكفر. إذن هذا هو ما يتعلق بهذا الأثر. لا ينبغي أن نستعجل، لا ينبغي أبداً أن نثير الفتن بيننا، لا ينبغي كذلك ألا نحسن الظن، وأنا أتكلم السلفي مع السلفي، لا ينبغي أن نستعجل، كذلك فيما يتعلق بأن الأخ الذي له سابقة وله دعوة لا بد أن نعذره وهو يكون أكثر إعذاراً، والدليل كما أشرت قصة أبي بكر مع عمر، أول الأمر أبو بكر هو الذي أخطأ على عمر، ومع ذلك ذهب يعتذر، والنبي عليه الصلاة والسلام يعرف أخلاق أبي بكر، لهذا كان غضب النبي صلى الله عليه وسلم، ولعل الوحي جاءه بذلك أن أبا بكر قد جاءك يعتذر فلماذا لم تقبل عذره. لهذا بَرَك على ركبتيه وهو يقول: يا رسول الله أنا الأظلم. والنبي صلى الله عليه وسلم لا يزيد على قوله: «هل أنتم تاركوا لي صاحبي؟»، ثم اعتذر عمر رضي الله عنه. فبيَّن النبي عليه الصلاة والسلام مكانة أبي بكر، ولا شك أن هذه من الأدلة التي يستدل بها أهل السنة على تفضيل أبي بكر على عمر.