ذهاب العلم بذهاب العلماء وظهور الرويبضة في آخر الزمان
السؤال
الجواب
ثم ذكر رحمه الله أن العلم يقبض قبضاً سريعاً، يذهب. كيف يذهب العلم؟ بذهاب العلماء. لا يذهب العلم بأن يكون العالم في المساء أو في الليل عالماً فإذا أصبح صار جاهلاً، فيمحو الله ما في صدره، لا يكون هذا أبداً، بل الآيات والسنة والقرآن هي في صدره وتبقى في صدره إلى أن يموت، فإذا مات قلنا: ذهب العلم. كما جاء في الأثر الصحيح لما دفن زيد بن ثابت وهو شيخ لابن عباس، ودرس عليه وكان يعظمه ويوقره، فلما دفن زيد قال هكذا ابن عباس: «هكذا يدفن العلم»، مع أن الذي دفن من؟ زيد، لكن لأن العلم في صدره، ففي موته ذهب العلم. وهذا في الحديث المرفوع في الصحيحين، حديث عبد الله بن عمرو بن العاص، لما قال عليه الصلاة والسلام: «إن الله لا ينتزع العلم انتزاعاً من صدور العلماء، إنما يقبض العلم بقبض العلماء، حتى إذا لم يبقَ عالم» — وفي رواية «حتى إذا لم يبقَ عالماً» — «اتخذ الناس رؤوساً جهالاً». هؤلاء الجهال هم الذين اتخذهم الناس، رفعوهم ورفعوا من شأنهم وهم جهال، لما رأوا هذه الرفعة والمكانة ما قالوا للناس: نحن جهال نحن لا نحسن نحن ما تعلمنا، لكن رأوا مكانة وأن الناس تسألهم، فإذا به يقول: إذن ما دام الناس رفعوني وجعلوني في هذا المكان فأنا أستحق، فظن وصدق أنه عالم وأنه سيفتي الناس. لهذا ما هي الثمار والنتيجة؟ قال: «فسئلوا فأفتوا فضلوا وأضلوا». لماذا ضلوا وأضلوا؟ لأنهم جهال أفتوا بجهل، أخطأوا، ضلوا وأضلوا الناس، الناس صدقوهم أنهم علماء، فمن هنا يأتي الضلال والبدع والخرافات والافتراق بسبب ذهاب العلماء. فهذا مشاهد، انظروا لما كان الألباني وابن باز وابن عثيمين والكثير من علماء، الشيخ زيد والشيخ النجمي والشيخ عبيد، وقبل أيام فقدنا الشيخ ربيعاً، وقبل سنة فقدنا الشيخ علي ناصر الفقيهي، وهكذا، من عام ألف وأربعمائة وتسعة عشر الشيخ حماد الأنصاري والشيخ محمد أمان جامي قبل ذلك بشيء يسير، والشيخ عمر فلاته والشيخ عبد القادر السندي والشيخ عطية محمد سالم وكثير من العلماء الكبار الذين كانوا يدرسون في الجامعات والحرمين، ألفوا وأفتوا وكانوا يتكلمون في النوازل، كلما ذهب جماعة منهم ذهب العلم، حتى يأتي آخر الزمان لا تجد إلا من يقول لا إله إلا الله، لا يعرف صلاة ولا صوماً ولا صدقة ولا نسكاً، لا يعرف إلا هذه الكلمة فقط، كلمة لا إله إلا الله. حتى بعد ذلك تُرفع المصاحف ويرفع كلام الله وكتاب الله، كما قال: منه بدأ وإليه يعود. لهذا في آخر الزمان تكلم النبي عليه الصلاة والسلام عن الرويبضة، حتى الصحابة سألوا: ما هي الرويبضة؟ مع أنهم عرب أقحاح، قال: «الرجل التافه يتكلم في أمر العامة». وهذا الحاصل الآن، الآن يأتي رجل في القنوات وهو قد يكون تاركاً للصلاة، أو أقل ما يقال: حالق لحية، فاسق، وقد يتكلم بكلام فيه شيء من الكفريات أو فيه شيء من إنكار السنة، تجده يقرر مسائل للمسلمين ومسائل عامة كبيرة، نوازل، وأنا أرى كذا وأرى كذا، وهو رجل تافه. لهذا في زمن النبي عليه الصلاة والسلام حتى الولايات العامة كان يعطيها لأتقى الناس وأخشى الناس وأعلم الناس. لما جاء أهل نجران قالوا: أرسل لنا أميناً يا رسول الله، قال: «لأبعثن لكم أميناً حق أمين»، فبعث من؟ أبا عبيدة عامر بن الجراح، عامر أحد العشرة المبشرين بالجنة، وكان من خيرة الصحابة علماً وفقهاً وخلقاً وزهداً، وهو ثاني العشرة وفاةً، مات بعد أبي بكر الصديق، أبو بكر الصديق توفي سنة ثلاث عشرة، أبو عبيدة في طاعون عمواس في الشام سنة ثمانية عشر رضي الله عنه. وهكذا من الذي كان يصلي بالناس ويؤم الناس في الأعياد والجمع والجهاد؟ الخليفة، أبو بكر، عمر، عثمان، علي، وهكذا. فكانت الولايات تعطى لأهل الصلاح أهل العلم. ثم ضعف الإسلام وقل الناس علماً وزهداً وعبادة، ظهرت الفرق، تشتت الناس، انتقضت عرى الإسلام عروة عروة، أوله الحكم وآخرها الصلاة. إلى أن قال: «سيكون في آخر الزمان أسعد الناس» — انظروا أسعد الناس، يعني بالدنيا، بالولاية — «لُكَع بن لُكَع» يعني رجل أحمق سيء الخلق، هو الذي سيتولى هذه الأمور، وهذه من علامات الساعة لا تقوم الساعة حتى يكون أسعد الناس لُكَع بن لُكَع. وهو يوافق الحديث الآخر: «تأتي سنوات خداعات يصدق فيها الكاذب ويكذب فيها الصادق ويخون فيها الأمين ويؤتمن فيها الخائن»، ثم قال: «ويتكلم فيها الرويبضة». الصحابة سألوا: من هو الرويبضة؟ قال: «الرجل التافه». وهذا يوافق ويساوي لُكَع بن لُكَع، يعني رجل أحمق سيء الخلق لا استقامة عنده ولا دين، فيه من الفسق فيه من الفجور، هذا أسعد الناس. كيف يكون أسعد الناس في الدنيا؟ عنده المال، عنده الولاية، يتكلم في أمر الناس، يتكلم في النوازل، وهو من أبعد الناس عن الاستقامة والدين. لماذا؟ لأنه ذهب العلماء، وهذا يؤكدهما في الصحيحين. لماذا أنا ذكرت هذه الأحاديث عند قولنا «اتخذ الناس رؤوساً جهالاً فسئلوا فأفتوا فضلوا وأضلوا»؟ بلاء عظيم. وهذا ما ذكره الزهري لما قال «وذهاب ذلك كله ذهاب العلماء»، يعني هذا البلاء الذي سيحصل، أن الناس تبتعد عن النجاة وعن الصراط المستقيم وعن نشر العلم، لأنه قال «فنعش العلم ثبات الدين والدنيا»، وفي بعض الروايات «نشر»، وهو معنى واحد، لأن نعش معناه ارتفاع الشيء وارتفاع شأنه وانتشاره، كذلك نشر العلم. ما به هذا النشر؟ ثبات الدين والدنيا. الآن العلم لا ينتشر، ولو انتشر العلم قد ينتشر العلم غير الصحيح، علم أهل البدع علم أهل الضلال، كثير من القنوات والوسائل والمواقع والفضائيات تنشر للصوفية للإخوان للتبليغ للعقلانيين للذين يردون السنة، كم هم أهل السنة بين هؤلاء؟ كم؟ أقل من القليل. وقد ذكرنا كلام ابن القيم عندما تكلم عن الغرباء، قال: المسلمون ثم منهم المؤمنون ثم من المؤمنين هؤلاء أهل السنة ثم الغرباء من أهل السنة ثم الدعاة العلماء الذين يدعون. لأن أهل السنة كثر من جهة الدعاة، يعتبر الكُثَّر، لماذا؟ لأن الدعاة قليل، الداعية الصادق الذي يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر ويدرس ويعلم ويصبر، أو لا، قليل. هذه هي الغربة: «بدأ الدين غريباً وسيعود غريباً». أهل البدع عندهم المال وعندهم المدارس والمعاهد، وعندهم وعندهم، أهل السنة ما عندهم هذه الإمكانيات، ومع ذلك هذه الطائفة التي ما عندها تلك الإمكانيات، مع قلتها وقلة الدعاة فيها — والمقصود بالدعاة العلماء — الله عز وجل جعلهم ظاهرين «لا تزال طائفة على الحق ظاهرة لا يضرها من خذلها ولا من خالفها». والخذلان في الغالب يأتي من وسط الصف، يكون معك فيخذلك، بخلاف المخالفة تكون أمامك، هذا أشعري وهذا جهمي وهذا إخواني وهذا صوفي وذاك خرافي وذاك قبوري، فهؤلاء كما أشرت هذه هي الغربة. لهذا اختصر لنا الزهري هذا الأمر، فيقول: انتشار العلم سيثبت، لو انتشر العلم وانتعش الناس بالعلم سيحصل الثبات لأن العلم موجود، لكن ذهب العلم. إذا ذهب العلم بذهاب العلماء، إذن ظهر الجهل، ظهرت الخرافات، ظهرت البدع. لهذا أكثر من يفرح بموت العالم إبليس، وأكثر من يفرح بظهور البدعة وظهور أهل البدع إبليس، لأنه قد مر معنا أن صاحب البدعة لا يستغفر من بدعته، وإبليس يحب ذلك. لو فعل المعصية وهو يعرف أنها معصية قد يستغفر ويتوب ويُكفِّر ذنبه بحج أو بصيام، لكن البدعة لا يتوب منها.