آثار السلف في تنشئة الأبناء على السنة وتحذيرهم من مجالسة أهل البدعة
السؤال
قال رحمه الله: قال أرطاة بن المنذر: «لأن يكون ابني فاسقاً من الفساق أحب إليّ من أن يكون صاحب هوى». وقال أبو إسحاق الزاري: «لأن أجلس إلى النصارى في بيعتهم أحب إليّ من الجلوس في حلقة يتخاصم فيها الناس في دينهم». وقال سعيد بن جبير: «لأن يصحب ابني فاسقاً شاطراً سنياً أحب إليّ من أن يصحب عابداً مبتدعاً». وقيل لمالك بن مغول: «رأينا ابنك يلعب بالطيور»، فقال: «حبذا، إن شغلته عن صحبة مبتدع». وقال ابن شوذب: «من نعمة الله على الشاب والأعجمي إذا تنسّك أن يوفّق لصاحب سنة يحملهما عليها». وقال عمرو بن قيس الملائي: «إذا رأيت الشاب أول ما ينشأ مع أهل السنة والجماعة فارجه، وإذا رأيته مع أهل البدع فايأس منه، فإن الشاب على أول نشوئه».
الجواب
هذه الآثار كلها تشير إلى أمر عظيم وهو ماذا؟ على حرص السلف على تنشئة النشء، الأولاد، الشباب، الصغار، على ماذا؟ كانوا ينشّئونهم على السنة والحذر من البدعة والحذر من مجالسة أهل البدعة، فتجده ينشأ على القرآن، لأنه أول ما ينشأ في سن السادسة وسن السابعة مباشرة يقول له: احفظ كتاب الله، سيحفظه في هذا السن، فينشّئونهم على القرآن، ينشّئونهم على محبة السنة، ينشّئونهم على دراسة السنة ومجالسة العلماء. من هم العلماء؟ ليس علماء أهل البدعة، لأن أهل البدع لهم علماء، بل لهم حفاظ، لكن كانوا يشيرون ويؤكدون ويحذرون من مجالسة أهل البدعة، وفي المقابل يأمرون بمجالسة أهل السنة، ويبغّضون إليهم البدعة، ويبغّضون إليهم أهل البدعة. وهذه هي الأدلة، يعني انظروا ماذا يقول أرطاة بن المنذر، وأرطاة بن المنذر من العلماء رحمه الله، فهو الألهاني، أرطاة بن المنذر بن الأسود الألهاني الحمصي، ثقة من العلماء، توفي سنة ثلاث وستين ومئة، يقول: «لأن يكون ابني فاسقاً من الفساق أحب إليّ من أن يكون صاحب هوى». ليس معنى ذلك أنهم كانوا يتساهلون في المعاصي والفسق، حاشاهم، بل كانوا يحذرون من المعاصي ومن الكبائر والصغائر، لكن يقول: لو أن الأمر صار بين أمرين لا ثالث لهما، إما هذا وإما هذا، فكون الولد على الفسق هذا أخف من كونه على البدعة، لأن البدعة أضر وأشر. والدليل أن السلف أجمع على أن البدعة أحب إلى إبليس من المعصية، هذا بالإجماع، ونقل الإجماع كثير من أهل العلم كشيخ الإسلام ابن تيمية، وهي مقولة مشهورة لسفيان الثوري، هو الذي قال: «إن البدعة أحب إلى إبليس من المعصية». ما السبب؟ لماذا كان إبليس يحب البدعة؟ لأن صاحب البدعة لا يتوب من بدعته، يتدين بها ويتقرب إلى الله بها، بل يقاتل عليها كما صنع الخوارج. أما صاحب المعصية، سواء كانت كبيرة أو كانت من الفواحش التي هي كالزنا واللواط، أو دون ذلك من أسباب الفواحش كالخلوة بالمرأة أو قبلة المرأة، أو باقي الصغائر، لما تنصح هذا الرجل بهذه المعصية أو تنكر عليه، لا يكابر ولا يعاند غالباً، تجده يعترف، بل قد يقول لك: ادعُ الله لي يا شيخ، أو نسأل الله أن يهديني، فهو يقر بأن هذا خطأ، وأن هذا لا يجوز. لكن انصح صاحب البدعة، يجادلك ويناظرك ويناقشك ويحاربك، بل قد يقتلك كما صنع الخوارج، قتلوا الصحابة وقتلوا علياً وعثمان رضي الله عنهما. إذن هذا هو المعنى عندما قال: «هذا أحب إليّ»، فلا نفهم من كلامهم وهو كثير في هذا الباب، لا نفهم أنهم كانوا يهوّنون من المعاصي، ما عندهم إرجاء رضي الله عنهم ورحمهم الله، يحذرون من المعاصي كلها من كبيرها وصغيرها، لكن بإجماعهم البدعة أخطر وأخبث وأشد من المعاصي.